جـوان فـالـون

 

الجزء الثاني

 

لي هونغجي

 

 

 

إنّ الكونَ شاسعٌ إلى حدٍّ لا يستطيعُ الإنسانُ، مَهما اجتهدَ في البحثِ والاستكشافِ، أنْ يَعرِفَ مدى اتّساعِه، كما أنّ الأجرامَ السماويّةَ بالغةُ العِظَمِ إلى حدٍّ يستحيلُ معه على الإنسانِ إدراكُها. 

 

والمادّةُ متناهيةٌ في الصِّغرِ إلى حدٍّ يستحيلُ معه على الإنسانِ رصدُها أو قياسُها. 

 

وجسمُ الإنسانِ بالغُ الغموضِ إلى حدٍّ لا تستطيعُ معه المعرفةُ البشريّةُ سوى خَدْشِ سطحِه.

 

والحياةُ بالغةُ التعقيدِ والتنوّع، بحيث ستظلُّ لغزاً يَستعصي على الإنسانِ فهمُه إلى الأبد.

 

لي هونغجي 

٢٤ سبتمبر ١٩٩٥

 

 

الإنسانُ الشرّيرُ ينشأُ من الحسد، 

ويشتكي بدافعِ الأنانيّةِ والغضبِ 

ممّا يظنّه "ظلماً" أو "إجحافاً".

 

الإنسانُ الصالحُ يحملُ دائماً الرّحمةَ في قلبِه، 

لا يعرفُ السخطَ ولا الكراهيةَ، 

ويجعلُ من المشقّةِ سروراً وبَهجةً له.

 

الكائنُ المستنيرُ خالٍ من التعلّق،

يراقبُ بهدوءٍ أهلَ هذا العالمِ 

وهُم غارقون في الوهم.

 

لي هونغجي

٢٥ سبتمبر ١٩٩٥

 

 

مَن لا يُثقِلُ قلبَه بأحزانِ الناسِ العاديّين وأفراحِهم، فهو مُمارسٌ للتعهّدِ.

ومَن لا تَعلّقَ له بخسارةٍ أو ربحٍ دنيويّ، فهو أرهات.

 

لي هونغجي

مايو ١٩٩٥

 

 

 

الفهرس

 

تعليم الـ"فا" في جزيرة لانتاو

دروس من البوذيّة

انحطاط البشريّة وظهور الكائنات المستنيرة

العِلم والتعهّد شيئان مختلفان تماماً

طبيعة بوذا

في الطاو دون تعهّد الطاو

قصة خلق الإنسان من الطين

محدوديّة العِلم الحديث وعظمة وعُمق "فا بوذا"

كلّ الـ"فا" تعود إلى أصلٍ واحدٍ

تطرّف بوذيّة الزن

المستويات في مسار التعهّد

البوذا والطاو

عند تخليص البشر وتعليم الـ"فا" ليس الأمر استعراضاً

البوذا يمنح الخلاص لا البركات

انحطاط البشريّة والمفاهيم الخطيرة

البشريّة في زمن نهاية الـ"جيي"

التعهّد الحقيقيّ

صفاء الذهن والمنطق السليم

الاستنارة

لماذا لا يرى المرء

دراسة الـ"فا"

كيف يؤدّي المشرف دوره

ما هو "الفراغ"

الثبات في التعهّد

تعاليم البوذيّة هي أصغر وأضعف جزء من "فا بوذا"

ما هي "الحكمة"

تأجيل التعهّد إلى ما بعد التقاعد

قائمة المصطلحات

 

 

 

 

 

تعليم الـ"فا" في جزيرة لانتاو

 

بعضُ الناسِ لم ينجحوا في التّعهّدِ خلال هذه الحياة، ولم يقطعوا نُذوراً بمواصلةِ التّعهّدِ في حياتِهم المُقبلة. لذلك من المرجّحِ أنْ يتجسّدوا كأشخاصٍ عاديّين في الحياةِ المُقبلة، ولنْ تُتاحَ لهم فرصةٌ أخرى لمواصلةِ التعهّد. في هذه الحالة، يتحوّلُ كلُّ ما تعهّدوه في حياتِهم السابقة إلى سعادةٍ وبركاتٍ في الحياةِ المُقبلة. على سبيلِ المثال، كان كثيرٌ من المسؤولين ذوي المناصب العالية رهباناً في حياتِهم السابقة. لقد تحمّلوا صعوباتٍ كبيرةً أثناء التّعهّدِ وجمعوا بعضَ البركات، لكنّهم لم يتمّوا تعهّدَهم بنجاح، فصاروا في حياتِهم التالية مسؤولين رفيعي المستوى أو أباطرةَ.

 

إذا قطعوا نذراً ولم ينجحوا في التعهّدِ في هذهِ الحياة، فمِنَ المؤكَّدِ أن يتعهّدوا مرةً أُخرى في الحياةِ التالية، وعندئذٍ تنشأُ رابطةٌ قدريَّةٌ في حياتِهم القادمة؛ وفي تلك الحياة، قد يواصِلون التّعهّدَ في المدرسةِ نفسِها. هكذا تتولَّدُ الرّوابطُ القدريَّةُ للتعهُّد. وإذا قطعَ شخصٌ نذراً كهذا، فلنْ يكونَ تحتَ رعايةِ الآلهةِ الدنيويّةِ ذاتِ المستوياتِ المُنخفضة بعد أنْ يتجسّدَ من جديد، بل سيعتني به مُعلِّمُه، ويتابعُه ويرعاهُ خلال تجسّدِه الجديد، ويضمنُ له ولادةً في عائلةٍ تُسهِّلُ عليهِ عمليةَ التعهّد. وبذلك ستكونُ لديه فرصةٌ للتعهّدِ مرّةً أخرى.

 

كثيرٌ من الرّهبان في المعابِد لا ينجحون في التعهّد. والسببُ الرئيسيُّ لعدمِ نجاحِهم هو أنّهم لم يتخلّصوا مِن تعلّقاتهم، ولا يعرفون كيف يتعهّدون أنفسَهـم، ولم ينالوا الـ"فا". بعضُهم يظنُّ أنَّ ترنيمَ السوطرا يكفي ليتعهّد المرءُ حتى يصبحَ بوذا، لكنّهم لنْ ينجحوا إذا لم يتخلَّصوا من التعلّقاتِ البشريّة. ولأنَّ قلوبـَهم لا تزالُ متعلّقـةً بالبوذا، يهيمون في المعابـدِ بعدَ وفاتـهِـم، ويَتبعـون الآخرين بينما يمارسُ هؤلاء التعهّد. هذا هو حالُهم. لا يُمكنُ تسميتُهم أشباحاً، وفي الوقتِ نفسِه لا يُمكنُ تسميتُهم رُهباناً، لأنَّهم ليسوا بشراً. إنّ البشريّةَ تعيشُ اليوم حالةً من الفوضى العارمة. وشيءٌ آخر هو أنَّ بعضَ تماثيلِ بوذا لا تمتلكُ فاشن البوذا، كما أنّ بعضَ البوذا الزائفين ما هُم إلّا نتيجة حتميّة لعبادةٍ عمياء يمارسها بعضُ الناس. فهناك من يربطُ قطعةَ قماشٍ حمراء على شجرةٍ ويبدأ بعبادتِها، أو يعبدُ الجبالَ والصخور. وبعضُهم يعبدون تمثالَ بوذا بعد صناعتِه، رغم أنّه لم يُجرَ له طقسُ الكايغوانغ (فتح النور). بهذهِ الطريقـةِ تنشأ الآلهةُ أو البوذا الزائفون من خلالِ العبادةِ العمياء. هؤلاء البوذا الزائفون يبدون تماماً مثل البوذا الحقيقيّين، لكنّهم مزيّفون، ويفعلون أشياء سيّئةً تحتَ ستارِ بوذا. هذه الظاهرةُ شائعة.

 

إنّ السماءَ تفرضُ شُروطاً صَارمةً لبلوغِ ثمرةِ الكمال، خلافاً لِما يتصوّرُه النّاس. في الواقِع، لم تعُد البوذِيّةُ ناجِعَةً في العصرِ الحَدِيث؛ فكثيرُ مِن النّاسِ لا يَعرِفون كيف يَتعهّدون أَنفسَهم، وأصبح الاستمرارُ في التعهّدِ أمراً بالغ الصعوبة. وهناك تفسيراتٌ كثيرةٌ للسّوطرا في البوذِيّة؛ هذا الرّاهبُ فَسّرها على نحوٍ، وذاك الرّاهبُ فسّرها على نحوٍ آخر، لكنّ مثل هذه التفسيرات قد تُضلّلُ الناسَ وتُقوّضُ الفوفا. وحدها الكلمات والمعاني الأَصلِيّةِ الموجودة في السّوطرا البوذِيّة، تُمكِّنُ الناسَ من بلوغِ الفهمِ الحقيقيّ. وعلى الرّغم من أَنّهم استَناروا إلى جُزءٍ صغيرٍ من الحقيقة، إلَّا أَنّهم تَقدّموا في تعهّدهم. وعندما يَقرؤون السّوطرا مُجدّداً، سَيَستنيرون إلى حقيقةٍ أُخرى، وسيَرتقون مرّةً أُخرى؛ سيكونُ لديهم فهمٌ مُختلِفٌ على المُستوياتِ المُختلفة. لقد حاولَ بعضُ الرُّهبانِ تفسيرَ السّوطرا البوذِيّة، بلْ إنّ بعضَهم أَلّفَ كتُباً تشرحُ "فا بوذا"، وطرحوا تفسيراتٍ زاعمين أَنّ هذهِ الجُملَة تَعني كذا وكذا، وتلكَ تَعني كذا وكذا، ... لكنَّ كلمات البوذا الأَصليّة تحمِلُ دَلالاتٍ مُختلفة في كلِّ مستوى، وتصلُ معانيها إلى مستوى التاثاغاتا. أمّا الرّاهبُ الذي يقومُ بذلك، فلا يزالُ يتعهّدُ على مستوىً متدنٍّ، ولا يُدركُ المبادئَ على مستوى البوديساتفا أو البوذا. ومع ذلكَ فإنّه يُحاولُ تفسيرَ السّوطرا البوذيّة، في حين أنّ ما يقدّمه لا يتعدّى حدودَ فهمِه على مستواه الخاصّ. كلماتُه لا تحمِلُ معاني عالية، بل تُبقي الآخرين في مستوىً مُتدَنٍّ مِن الفَهم وتقيّدهم ضمنه؛ وفعليّاً يكونُ قد ساقَ النّاسَ إلى طريقٍ هَرطقيّ. إذا ادّعى قائلاً: "كلماتُ بوذا تعني كذا وكذا..."، فإنّ فهمَ النّاس سيقتصرُ على ما قاله، وسيتبنّون نفسَ التفسير، ممّا يمنعهم من التعهّدِ والارتقاءِ إلى مستوياتٍ أعلى. 

 

عبرَ الأجيال، انتشرتْ وتعدَّدتْ الشُروحاتُ والتفسيراتُ من هذا النوع. عندما يتحدّثُ الناسُ عن التريبيتاكا (السلال الثلاث) وهي: السوطرا والقواعد الرّهبانيّة والشروحات، يجبُ النظر إلى السوطرا بشكلٍ مختلف، وألَّا تُعتبر القوانين الرّهبانيّة والشروحات في نفسِ مستوى السوطرا؛ وبالأخصِّ الشروحات التي شوَّهتْ "فا بوذا" وجعلت معناها الأصليّ يختفي شيئاً فشيئاً. يَستخدمُ الرُّهبانُ اليوم مصطلحاتٍ عاميّة لشرحِ السوطرا البوذيّة، لكنْ من المستحيلِ شرحها بهذهِ الطريقة. يجبُ أنْ يبقى المعنى الأصليّ لما علَّمه بوذا شاكياموني كما هو تماماً، وأيُّ تفسيرٍ له سيكونُ انحرافاً عن الأصل. هذا هو أحدُ الأسبابِ التي تجعلُ من الصَّعب على رُهبانِ اليوم أنْ يَنجحوا في التعهّد. لكنَّ الرُّهبانَ لا يعرفون ذلك، وعندما لا يتمكّنون من فهمِ النصوصِ الأصليّةِ للسوطرا البوذيّة - وهو ما يَحدثُ في الواقع نظراً لأنَّها مكتوبةٌ بالقواعدِ النحويةِ الكلاسيكيّةِ القديمة - فإنّهم يَبحثون عن كتبٍ مرجعيّة. لكنّ تلك الأعمال المرجعيّة مليئة بتفسيراتٍ عشوائيِّة طرحَها المؤلّفون بناءً على مستوى فهمِهم الضيّق والمحدود. وكانت هذه المشكلةُ قائمةً عبر التاريخ. وهكذا كان الحالُ في العصورِ القديمةِ أيضاً؛ لذا لا ينبغي تصديقُ الكتبِ التي أُلِّفَتْ في العصورِ القديمةِ تصديقاً أعمى، فكلُّها متشابهة وتسبّبتْ فعلاً في تقويضِ "فا بوذا". وقد قالَ بوذا شاكياموني إنّ الدارما التي علَّمها لنْ تكونَ ناجعةً بعدَ عددٍ معيّنٍ من السّنين، وأنَّه عندما يأتي عصرُ نهايةِ الـ"فا" ستأتي الشياطينُ لتدمّرَ الـ"فا". هذا أحدُ الأسباب.

 

لم تعُد البوذيةُ موجودةً في الهند، ويرجعُ ذلك إلى التصرّفاتِ غيرِ المسؤولةِ التي قامَ بها الرُّهبان. فبعضُهم يُفسّرُ السوطرا بطريقة، بينما يفسّرُها آخرون بأسلوبٍ مُختلف، ممّا أدّى إلى تعدّدِ وجهاتِ النظر وتضاربها. وبغضِّ النظرِ عن الشروحاتِ التي طرحوها، لم تتضمّن أيٌّ منها المفاهيم الأصليّة التي قصدها بوذا شاكياموني؛ فقدْ فَقدتْ المعنى الأصليّ. ولهذا السببِ لم تعُد البوذيّةُ موجودةً في الهند.

 

من الجيّدِ أنْ تُشاركوا تجاربَكمْ مع الآخرين وأنْ تناقشوا الأفكارَ والمفاهيمَ التي توصلّتم إليها، إذ إنّكم في هذهِ الحالةِ تتحدّثون عن تجاربِكم وفهمِكم الشخصيّ للسوطرا. لا حرجَ في ذلك، ولنْ يترتّبَ عليه أيُّ أثرٍ سلبيّ. ما نخشاهُ هو أنْ تَشرحوا تعاليمَ السوطرا مُستخدمين كلماتِكم الخاصّة، لأنّ العباراتِ الأصليّة لا تقتصرُ على مستوىً واحدٍ من الفَهم. فقد يبدو لكم أحدُ المبادئ صحيحاً وجيّداً عند مستوىً معيّن، ولكنْ عندما ترتقون في فَهمِكم تكتشفون أنّ الجملةَ نفسها تنطوي على مبادئ أسمى.

 

لقد أمضى بوذا شاكياموني تسعةً وأربعين عاماً في نشرِ الدارما. في البدايةِ لم يكنْ قد بلغَ مستوى التاثاغاتا، وبعضُ الـ"فا" التي علّمها كان قد شرحها في سنواتٍ سابقة. لكنّه واصلَ التعليمَ باستمرار، وكانت التعاليمُ التي قدّمها في سنواتِه الأخيرةِ قبل دخولِه النيرفانا مختلفةً تماماً عمّا قدّمه في بداياته، لأنّه كان هو نفسُه يمرُّ بعمليّةٍ من التقدّمِ المستمرّ، يرتقي فيها ويتعهّدُ نفسَه دون توقّف. لكنّ الحقيقةَ أنَّه لم يترك للبشريّةِ تعاليم الـ "فا" الكونيّة؛ بل إنَّ الناسَ فيما بعْد هُم مَن أطلقوا عليها اسم "فا" أو "سوطرا". فعندما كان بوذا شاكياموني في هذا العالمِ لم تكُنْ هناكَ سوطرا. وقد دوَّنَ أتباعُه تعاليمَه اعتماداً على ما حفِظوه من أقوالِه، إلّا أنّهم وَقعوا في أخطاءٍ أثناءَ عمليّةِ التجميعِ والتّدوين. نتيجةً لذلك تغيّرَ المعنى الحقيقيّ لبعضِ ما قاله بوذا شاكياموني. وفي كلِّ الأحوالِ لم يكنْ مسموحاً للناسِ في ذلك الوقتِ أنْ يعرفوا الكثير، ولم يكُن ذلك من قبيلِ الصدفة، بل كان الأمرُ مُقدّراً أنْ يكونَ عل هذا النحو. ففي الماضي لم يكُن أحدٌ يجرؤ على تدوينِ الأمورِ المتعلّقةِ بالتعهّدِ بعباراتٍ واضحةٍ وتَرْكِها للبشرِ. كان على الناسِ أنْ يستنيروا إلى كلِّ شيءٍ بأنفسِهم. وسطَ الوهم، يجهلُ الناسُ الحقيقةَ تماماً ويُصبحُ من الصَّعبِ عليهم أنْ يستنيروا للأمورِ.

 

ما تركَهُ بوذا شاكياموني للناسِ عندما كان في هذا العالمِ كان في المقامِ الأوّلِ الوصايا (التعاليم). عندما اقتربَ في النهايةِ من النيرفانا، سألهُ أحدُ تلاميذه: "معلمُنا سيرحلُ، مَن نتّخذُ لنا معلماً من بعدِه؟" أجابَ بوذا شاكياموني: "اتخِذوا التعاليمَ معلّماً لكم". في الواقعِ، إنّ التعاليمَ التي تركَها شاكياموني قادرةٌ على أنْ ترشدَ المُمارسين إلى بلوغِ الكمالِ الروحيّ، وقد أسّسها بنفسِه عندما كان لا يزالُ على قيدِ الحياة. أمّا الأجيالُ اللاحقة فقد دوّنت النصوصَ استناداً إلى ما فهمته من كلماته واعتبرته سوطرا. أنا أوّلُ من زوّدَ البشريّةَ حقاً بمعرفةٍ حقيقيّةٍ حول التعهّد؛ لم يحدُثْ ذلك أبداً من قبل. لقد فعلتُ شيئاً لم يفعلْهُ أحدٌ قبلي، وتركتُ للناسِ سلّماً للصعودِ إلى السماء.

 

في الواقعِ، توجدُ الأديانُ لتحقيق هدفين. الأوّلُ أنْ تُتيحَ للناسِ الصالحين والقادرين على التعهّدِ بلوغ الطاو؛ والثاني أنْ تحافظَ على الأخلاقِ الإنسانيّة في المجتمعِ عند مستوىً مُرتفعٍ نسبيّاً. هذا ما يُفترضُ أنْ تقومَ به الأديان. في الحقيقة، ما أنشرُه ليسَ ديناً، لكنّ نَشرَ الـ"فا" وتخليصَ الناسِ يؤدّي الغرض نفسه: إنّهُ يُتيحُ للناسِ بلوغَ الطاو حقاً، ويقدّمُ لهم طريقاً لمُمارسةِ التعهّدِ بأنفسِهم. كما أنّه يُمكّن الكثيرين ممّن سمعوا بالـ"فا" أو قرؤوا الكتبَ وفهموا بعضَ المبادئ، وحتّى إنْ لم يرغبوا بمُمارسةِ التعهّد، من الامتناعِ عن ارتكابِ أفعالٍ سيّئةٍ أو ضارّةٍ عمداً. وهكذا يتحقّقُ نفسُ الهدف، أيْ الحفاظُ على مستوىً عالٍ من الأخلاقِ الإنسانيّة. أليس نشر هذه المُمارسة وتعليمِ الناسِ لها في حقيقتِه تخليصاً لهم؟ 

 

في فترات ما قبل التاريخ، كانت بعضُ الحضاراتِ البشريّةِ تدومُ أحياناً لفتراتٍ طويلةٍ نسبيّاً، بينما كانت أخرى تدومُ لفتراتٍ قصيرة، وقد امتدّتْ بعضُ الحضاراتِ لفتراتٍ طويلةٍ جداً. وفي كلِّ حقبةٍ كان مسارُ تطوّرِ العلومِ البشريّةِ مختلفاً. أمّا الناسُ اليوم، فيعيشون ضِمنَ إطارِ تطوّر ِالعلمِ الحديث، ولا يُدركون أنّ هناك طُرُقاً أخرى يُمكنُ أنْ يتطوّرَ بها العلم. في الحقيقة، كان علمُ الصينِ القديمةِ مختلفاً تماماً عن العلمِ الذي جاءَ من أوروبا. فقد كان العلمُ في الصينِ القديمةِ يوجّه أبحاثَه مباشرةً نحو الجسمِ البشريِّ والحياةِ والكون. وتجرّأَ القدماءُ على استكشافِ الأشياءِ غير الملموسةِ وغير المرئيّةِ، وتمكّنوا من إثباتِ وجودها. الأحاسيسُ التي يشعرُ بها المرءُ أثناءَ مُمارسةِ التأمّلِ في وضعيّةِ اللوتس تتسامى تدريجيّاً لتُصبحَ أقوى فأقوى، وفي النهايةِ لا تكونُ قويّةً فحسب، بل تُصبحُ أيضاً ملموسةً ومرئيّة. وهكذا ارتقتْ الأشياءُ التي لا شكلَ لها لتُصبحَ أشياء ذات شكل. ومن هذا المُنطلق، اتّخذَ القدماءُ نهجاً مختلفاً تمثّلَ في استكشافِ أسرارِ الحياةِ والعلاقةِ بين جسمِ الإنسانِ والكونِ، وهو مسارٌ يختلفُ تماماً عن النهج الذي تتبعُه العلومُ التطبيقيّةُ الحديثة.

 

في الحقيقة، لقد صُنِع القمرُ على يدِ البشرِ في عصرٍ من عصورِ ما قبلَ التاريخِ، وكان مُجوّفاً من الداخل. فقد كانت البشريةُ آنذاك متقدمةً إلى حدٍّ بعيد. يعتقدُ الناسُ اليومَ أنَّ المصريين هُم من بَنوْا الأهرامات، ويحاولون تتبّعَ مصدرَ الحجارةِ التي شُيّدتْ منها، لكنّ الحقيقةَ مختلفة تماماً. تعودُ الأهراماتُ في الأصلِ إلى حضاراتِ ما قبلَ التاريخِ، غير أنّها غاصتْ في قاعِ البحرِ في إحدى الفترات. وبسببِ التغيّراتِ التي حصلت لاحقاً على الأرضِ - أي التغيّرات المُتعدّدة في الصفائحِ القاريّة - ظهرت الأهراماتُ عل اليابسة من جديد. ومع مرورِ الزّمنِ ازدادَ عددُ السّكانِ في تلك المنطقة، وبدأ السّكانُ الجُدد يُدركون الوظيفة التي تؤدّيها الأهرامات، فقد كانت قادرة على حفظِ الأشياءِ لفتراتٍ طويلة. وهكذا شرعوا في وضعِ جُثث الموتى داخلِها. لم يكُن المصريّون هُم مَن شيّدَ الأهرامات، بل كانوا هُم من اكتشفوها لاحقاً واستفادوا منها. وفي مرحلةٍ لاحقة بنوا نماذجَ أصغرَ استناداً إلى النسخِ الأصليّة، الأمر الذي أربكَ العُلماء.

 

لا يستطيعُ البشرُ اليوم رؤيةَ الأشياءِ إلّا في ضوءِ المعرفةِ الحاليّة، وقد أدّى تراكمُ القواعدِ والتعريفاتِ التي وضَعها العُلماءُ إلى تقييدِ الناسِ وإحكامِ القيودِ عليهم. زعمَ داروين أنَّ الإنسانَ تطوّرَ من القردة، وبناءً على ذلكَ يعتقدُ الناسُ على نطاقٍ واسعٍ أنّ البشريّةَ تطوّرتْ فعلاً من القردة. وقد استنتجوا أموراً مُتعدّدةً بناءً على هذه النظريّة. في الوقتِ الحالي، اكتشفَ العلمُ بعضَ الأشياءِ التي تتجاوزُ بكثيرٍ تاريخَ الحضارةِ الإنسانيّةِ الحديثة، ومع ذلكَ لا يجرؤُ الناسُ على الاعترافِ بها، بلْ يعتبرونَها مستحيلة، ولذلك يستخلصون استنتاجاتٍ عشوائيّةٍ ويتحدّثون بشكلٍ اعتباطيّ. في المستقبلِ سوفَ يظهرُ علمٌ يختصُّ بجسمِ الإنسان، وربّما تتطوّرُ الفيزياءُ والكيمياءُ وغيرها من التخصّصاتِ العلميّةِ على أسسٍ مختلفة، لا تكونُ بالضرورةِ مُطابقة لوجهةِ نظرِ الغرب. إنَّ المفاهيمَ التي توصّلَ إليها العلمُ التطبيقيُّ اليومَ محدودةٌ للغاية؛ فهي تعترفُ فقط بما هو مرئيٌّ وملموسٌ ولا تعترفُ بالأشياءِ التي لا يُمكنُ تمييزُها بالعينِ أو اللمسِ. التعريفاتُ العلميّةُ الحاليّةُ ليستْ علميّةً على الإطلاقِ، بلْ قَيّدت الإنسانَ تماماً. إذا تمكّنتم من اكتشافِ ما هو غير مرئيّ وغير ملموس باستخدام الأدواتِ العلميّة، أليس هذا علماً؟ أليس من المُفترضِ أنْ يُحتسَبَ ضِمنَ نطاقِ العلم؟

 

العلماءُ اليوم لا يُدركون حقيقةَ المادّة كما هي. عندَ دراسةِ أشياء مثل النيوترونات والذرّات ينظرون إليها على أنّها خطيرة، لأنّ هذه الجسيمات تُصدِرُ إشعاعاً إذا لم تُحفظْ في صناديقَ من الرّصاص. وقد توصّلوا إلى ذلك استناداً إلى النظريّاتِ القائمة التي يُمكنُهم اكتشافُها، فهُم لا يملكون سوى قدرٍ محدود من المعرفة. في الواقع، كلُّ شيءٍ له حياة، وقد قالَ بوذا شاكياموني ذلك أيضاً. مَهما كان البُعدُ أو العالم، فإنّ الأشياءَ جميعها موجوداتٌ ماديّة، وكلّها تمتلكُ حياة. يُمكنُ للإنسانِ أنْ يتحكّمَ في النيوتروناتِ والذرّات وأشعةِ غاما وحتّى في الموادِّ الأكثرَ ميكروسكوبيّة، لكن ذلك يتطلّبُ الوصولَ إلى المستوى المطلوبِ كي يتمكّنَ من ذلك. إنّ الغونغ (الطاقة العُليا) الذي نصقِلُه بالتعهّدِ الذاتيّ، يمتلكُ في الواقعِ نشاطاً إشعاعيّاً قويّاً ويمكنُ للممارسِ التحكّمُ فيه تحكّماً كاملاً. يحاولُ العلمُ اليومَ تفسيرَ كيفيّة نشوءِ الكون، ويطرحُ نظرياتٍ شتّى ساعياً إلى فهمِ بُنيته. لكنْ من منظورٍ أعلى، يتألّفُ الكونُ من الزّمان والمكان، وفي جوهرِه يتكوّنُ أساساً من الطاقة. وكلّما كانت المادّةُ أكثرَ ميكروسكوبيّة، ازدادَ نشاطُها الإشعاعيّ، وهذا هو جوهرُ ما يحدثُ عندَ المستوى الأساسيّ. غير أنّ العلماءَ اليوم لا يجرؤون على الإقرارِ بذلك، لأنّ معرفتَهم لم تبلغ بعْدُ هذا المستوى.

 

المادَّةُ التي توجدُ في مستوى ميكروسكوبيٍّ متناهي الصغر - في حالةٍ فائقةِ الدقّة - هي في الحقيقة مَادّةٌ أَصليّةٌ بلا حياة. إنّها شَكلٌ مِن أَشكالِ المادّةِ الأَصلِيّةِ التي يعجزُ العقلُ البشريُّ العاديُّ عن تصوّرها. هذه المادّةُ الأَصلِيّةُ خارِقة للغاية، وكلُّ شيءٍ يَسقُطُ فيها يَتحلّلُ ويَتفكَّكُ على الفور. وبالمعنى الدقيقِ للكلمة، لا يُمكنُ حتّى تسميةُ هذه المادّة الأصليّة "مادّةً" بالمعنى المألوف. يمتلكُ الكونُ خصائصَ تُسمّى "جين-شان-رِن". لكنْ لماذا يُقالُ إنّ جميعَ الجسيماتِ الدّقيقةِ للأجسامِ تحتوي على جين-شان-رِن؟ في الحقيقة، تقومُ هذه الصفاتُ الثلاثُ بجمعِ المادّةِ الأكثرِ بدائيّة، أي ذلك الكيانُ الأصليّ الذي لا يُمكنُ اعتباره مادّةً، وتنظيمها لتُشكِّل أصغرَ الوحداتِ الأوّليّة. بعدَ ذلك تُدمجُ هذه الوحدات لتشكّلَ جسيماتٍ مجهريّةً مختلفة، ثُمّ تُجمَعُ لتكوّنَ مادّةً جزيئيَةً متناهية الصّغر. وبعد ذلك تتمايَزُ هذه الجسيماتُ وتُعادُ عمليّةُ تجميعِها لتتكوّنَ منها التُربةُ والصخورُ والعناصرُ المعدنيّة والضوءُ والزّمنُ في الأبعادِ والمستوياتِ المختلفة، أي الموادُّ الأساسيّةُ التي يتألّفُ منها الكون. وتستمرُّ هذه الموادّ في التطوّرِ والتمايُز، فتتشكّلُ منها موادّ أكبر، وهكذا تتكوّنُ جميعُ الأشياء. وبما أنّ جميعَ الأشياءِ قد تكوّنت من هذه الخصائص الكونيّة، فإنّها تخضعُ بطبيعتِها للقيودِ التي تفرِضها "فا" الكون. ولهذا تمتلكُ كلُّ مادّةٍ طبيعةَ بوذا جين-شان-رن، فهي العناصرُ التي تشكّلُ الكون. وهذه هي "فا بوذا"، والتي تُعرَفُ أيضاً باسمِ الطاو.

 

جميعُ الأشياءِ والموادِّ حيّةٌ وتتّسمُ بطبيعةِ بوذا، لكنّها عُرضةٌ للاضمحلال. باستثناءِ الصّفاتِ الكونيّةِ جين-شان-رِن، فإنَّ أيَّ شكلٍ من أشكالِ المادّةِ المشتقّةِ منها يواجهُ خطراً جسيماً عند تدهورِه، أيْ إنّ الأجسامَ تتحلّل؛ وبعبارةٍ أُخرى إنّ الأجسامَ تضمحلّ. عندما تتدهورُ الأشياء، فهذا يعني بشكلٍ عام أنّ الكونَ في المستوياتِ الدنيا يفسد، وأنّ تأثيرَ الـ"فا" لم يعُد فعّالاً. وعندما لا يعودُ للـ"فا" أيُّ تأثيرِ في قلوبِ الناس، يُصبحون سيّئين، ولا تعودُ القيمُ الأخلاقيّةُ تضبطُ سلوكَهم. أمّا عندما يتمُّ الحفاظُ على الأخلاقِ البشريّة، فيُمكنُ أنْ تبقى الـ"فا" ثابتةً وفي حالةِ استقرار، وذلك ما دامَ قلبُ الإنسانِ لم يفسدْ. وإذا فشلَ الإنسانُ في الحفاظِ على قلبِه، فلا بُدَّ أنْ يمرَّ بعمليّةِ التقمّص. وبغضِّ النظرِ عمّا سيُصبحُ عليه في دورةِ الولادةِ الجديدة، سواء أصبحَ نباتاً أو حيواناً أو جسماً ماديّاً أو حتّى مادّةً مثل الأسمنت أو الرّمل، فإنّه يظلُّ يحمِلُ الكارما معه. وهكذا، من هذا المنظور، عندما تتدهورُ البشريّة، لا يتدهورُ المجتمعُ البشريُّ وحده، بل تتدهورُ أيضاً جميعُ الموادّ. في عصرِ نهايةِ الـ"جيي"، تكونُ الأرضُ وبعض طبقاتِ الفضاء في الكون، وكذلك الزهور والعشب والأشجار، كلُّها حاملة للكارما.

 

التقمّصُ في الدّروب الستّة يعني أنّ الشخصَ قد يولَدُ من جديدٍ كإنسانٍ في هذهِ الحياة، أو كحيوانٍ في الحياةِ القادمة. لكنّ التقمّصَ في الدّروبِ الستّة في الحقيقةِ لا يقتصرُ على هذه الدّروبِ السّتةِ فقط كما كان يُعتقدُ في الماضي، وهذا ما قالهُ بوذا شاكياموني. يُمكنُ للمرءِ أنْ يولدَ من جديدٍ كإنسان، أو ككائنٍ سماويّ، أو كشبحٍ أو كـ"أسورا"، كما قد يولدُ أيضاً كحيوانٍ بريّ، أو كحيوانٍ أليفٍ أو حتّى كشيءٍ ماديّ، وما إلى ذلك.

 

إذا كان لعلمِ الإنسانِ أنْ يتطوّرَ إلى مستوىً رفيع، فلا بُدَّ أوّلاً أنْ يرتفعَ المعيارُ الأخلاقيُّ للبشريّة، وإلّا فستندلعُ حروبٌ بين الكواكب. لا يُمكنُ للبشرِ أنْ يصلوا أبداً إلى مستوياتِ البوذا بالاعتمادِ على التكنولوجيا. لماذا؟ لأنّ ما يمتلكُه البوذا والكائناتُ السماويّةُ هو علمٌ أعلى وتكنولوجيا تفوقُ بكثيرٍ ما لدى البشر. بمعنىً آخر، إذا أرادَ البشرُ الوصولَ إلى هذه المستويات، فلا يُمكنُ تحقيقُ ذلك بالوسائلِ العلميّةِ والتكنولوجيّةِ البشريّةِ وحدها. ولو كانت الوسائلُ العلميّةُ والتكنولوجيّةُ قادرةً فعلاً على اختراق تلك المستويات، لوقعَتْ الكوارثُ في السماءِ بالفعل. ذلك لأنّه إذا بلغَ البشرُ مستوياتٍ عالية عبر التكنولوجيا واكتسبوا قدراتٍ إلهيّة بهذا الحجم، بينما لا تزالُ عقولُهم مليئة بروحِ القتالِ والجشعِ والرّغبةِ الجنسيّةِ والرّغباتِ المختلفةِ والغيرةِ، وجميع أنواعِ التعلّقات، بما في ذلك التعلّق بالشهرةِ والثروة، وحملوا كلَّ هذه التعلّقاتِ معهم إلى تلك المستويات، فإنّ الفوضى ستسودُ في السماء. لذلك، فإنّ هذا السيناريو غيرُ مسموحٍ به على الإطلاق.

 

الطريقةُ الوحيدةُ للبشرِ للوصولِ إلى مستوياتٍ عُليا هي عبرَ التعهّد. فقط عندما يتخلّصُ الإنسانُ من التعلّقاتِ والرّغباتِ من خلالِ التعهّدِ المُضني والشاقِّ والامتثالِ لخصائصِ الكون - جين-شان-رِن - يستطيعُ الوصولَ إلى مستوياتٍ عاليةٍ جدّاً. ما هو العِلم؟ العلمُ الأسمى هو ما يمتلكهُ البوذا والآلهة؛ فَهمُهم للمادّةِ هو الأسمى، إذ يروْنها في أنقى صورِها. ويُمكنهم أيضاً رؤيةُ بعضِ المستوياتِ الميكروسكوبيّةِ للموادّ، وكذلك أكبر الموادّ حجماً في الكون. أمّا البشرُ اليوم فيروْن أنّ المادةَ تتكوّنُ من الجزيئاتِ، ثمّ الذرّاتِ، ثمّ ما هو أصغر منها. وفي نطاقِ الموادّ الكُبرى، يعتقدون أنّ الأجرامَ السماويّة هي أكبر الأجسام الماديّة في الكون. لكنّ الأجرامَ السماويّةَ ليست أكبرَ أشكالِ المادّة، فهناك ما هو أعظمُ منها بكثير. يُمكنُ للبوذا أنْ يرى أشياء كبيرة نسبيّاً في المستوياتِ الماكروسكوبيّة، كما يُمكنُه رؤيةُ الموادِّ في المستوياتِ الميكروسكوبيّةِ الدقيقة. ومع ذلك، ورغم بلوغ هذا المستوى، فإنّ البوذا، ومن بينِهم التاثاغاتا، لا يستطيعون رؤيةَ أصلِ المادّة، كما أنّهم لا يُدركون الحجمَ النهائيّ للكون أو حدوده القصوى.  

 

بالنسبةِ للكائناتِ السماويّة، فإنّ التعهّدَ صعبٌ جداً، بل شبهُ مستحيل. لماذا؟ لأنَّ البوذا لا يُواجهون مشقّات. البوذا في السماء ليسَ لديهِم أيّة معاناة؛ كلُّ ما يُحيطُ بهم مُمتعٌ ومُبهجٌ، ويُمكنهم الحصولُ على كلِّ ما يرغبون فيه؛ إنّها حياةُ رفاهيّةٍ مُطلقة. فكّروا في الأمرِ إذنْ: بما أنَّ لديهم قدرات إلهيّة عظيمة ولا يواجهون أيَّ مُعاناة، فكيفَ لهم أنْ يتعهّدوا؟ من الطبيعي أنْ يكونَ ارتقاؤهم صعباً جدًاً. أمّا بالنسبةِ للبشر، فإنّ مُمارسةَ التعهّدِ أسهلَ نسبيّاً، ولكنْ إذا لم يتمكّنوا من بلوغِ المستوياتِ الأعلى، فلنْ يستطيعوا الارتقاء. يُشبِه الأمرُ زجاجةً مملوءةً بالأوساخِ لا تستطيعُ أنْ تطفوَ على سطحِ الماء؛ هذا هو المنطقُ نفسُه. من المؤكّدِ أنّ الإنسانَ لا يستطيعُ الصعودَ إلّا إذا طهّرَ نفسَه أوّلاً.

 

إنّ حكمةَ بوذا العظيمة تشيرُ إلى الحكمةِ الرفيعةِ التي يمتلِكُها في مستواه الخاصّ. البوذا الذي يبلغُ مستواهُ ضعفَ مستوى التاثاغاتا، يمتلكُ فهماً لمبادئِ الكون أسمى وأعمق بكثيرٍ من فهمِ التاثاغاتا نفسه. عندما يتحدّثُ عن ثلاثةِ آلافٍ من العوالم العظيمة، لا يعني بذلك أنَّ كلَّ حبّةِ رملٍ تحتوي على هذهِ العوالم. لقد اكتَشَفَت الكائناتُ المستنيرةُ أنَّ بعضَ الرّمالِ والصّخورِ تحتوي على هذهِ العوالم، بينما لا تحتوي عليها صخورٌ أخرى؛ الجرانيت على سبيلِ المثال، لا يحتوي على هذه العوالم. بعضُ الحصى عندَ التمعّنِ فيها، نكتشفُ أنّها عالمٌ واسعٌ للغاية، وتبدو الكائناتُ الموجودةُ هناك كالبشر. هُم لا يشعرون بأيِّ اهتزازٍ، حتّى لو رميْتَ الحصى، لأنَّ نمطَ وجودِهم قائمٌ على هذا النحو. إذا وُضِعْتَ تلك الحصى في مكانٍ ما، أو حتّى غُمِرَتْ بالماء، فإنّ الماءَ لا يستطيعُ التغلغلَ إلى فضائِها الداخليّ.

 

هناك عالمٌ شاسعٌ في ذلك المكان. إنّ مفهوم "الحجم" للأشياءِ كما يعرفُه الناسُ ليس صحيحاً. مفهومُ "الحجم" كما يتصوّرُه الناسُ العاديّون لا وجودَ له في الحقيقة. قد ترى الأشياءَ على هذا النحو، لكنّ ذلك ليس إلّا الطريقة التي تتجلّى بها في عالمِ الناس العاديّين. يُمكنُ للفاشن أنْ يتواجدَ على ورقة، أو على لوحةٍ فنيّة، أو حتّى على ورقةٍ رقيقةٍ جداً لا يتجاوزُ وزنُها غرامين. من غيرِ المُمكنِ للناسِ العاديّين أنْ يتصوّروا ذلك، لأنّهم مجرّدُ أُناسٍ عاديّين.

 

في الواقع، الإنسانُ ليسَ الفصيلُ الوحيدُ من الكائناتِ البشريّةِ الموجودة في بُعدنا الماديِّ على الأرض؛ فهناكَ كائناتٌ بشريّةٌ تعيشُ في أعماق البحار. في الماضي، تحدّثَ بعضُ الناسِ عن هذا الأمر علناً، لكنّ المجتمعَ العاديّ لم يتقبّله واعتبرَه مجرّد خُرافة. في الحقيقة، ما قيلَ كان صحيحاً تماماً. عندما تتحرّكُ الصفائحُ القاريّة، ترتفعُ أجزاءٌ واسعةٌ من قيعانِ البحارِ إلى السطح. وفي تلك الأعماقِ تعيشُ أنواعٌ متعدّدةٌ من أشباهِ البشر: بعضُهم يشبهُنا تماماً، وبعضُهم يختلفُ عنّا. بعضُهم يمتلكُ خياشيمَ، وبعضُهم يكونُ لديه جسدٌ بشريٌّ من الأعلى وجسدُ سمكةٍ من الأسفل، وآخرون لهم أرجلٌ بشريّةٌ في الأسفلِ وجسمُ سمكةٍ في الأعلى.

 

 

دروس من البوذيّة

 

لقد ألّفَ بعضُ الرُّهبانِ اليومَ العديدَ من الكتب، ولكنْ ما الذي كتبوه؟ إنّ التشي الأسودَ يتغلغلُ في كلِّ كلمةٍ وسطر. هُم لا يستطيعون رؤيةَ ذلك بأنفسهِم، والأشياءُ المتضمنةُ فيها أصبحت في فوضى عارمة. إنّ مثلَ هذهِ الظواهرِ أصبَحت خطيرةً جداً في عصرِ نهايةِ الـ"فا.

 

لقد نشأتْ الدارما التي علّمها بوذا شاكياموني في الهند، فلماذا اختفتْ هناك إذن؟ عندما كان بوذا شاكياموني في هذا العالم، كان أتباعُه ملتزمين بتعاليمهِ وبمتطلباتِ مدرستهِ بحذافيرها. وعندما كان يُعلِّمُ الدارما، كان بإمكانِ المرءِ أنْ يسألَ عمّا لا يفهمه، وإذا ارتكبَ أحدُهم خطأ كان بوذا شاكياموني يُصحّحه. لكن بعدَ رحيلِه عن هذا العالم، أخذَ العديدُ من الرُّهبان يُفسّرون كلماتِه بشكلٍ اعتباطيٍّ ووفقاً لإدراكهِم وفهمهِم الخاصّ. لنفرض أنّ بوذا شاكياموني قد تعهّدَ إلى مستوىً يبلغُ ارتفاعَ المنزل، في حينِ أنّ راهباً عاديّاً لم يتعهّد إلّا إلى ارتفاعِ قدمٍ واحدةٍ فقط، فهل يُمكنُ لهذا الرّاهبِ أنْ يفهَمَ المعنى الحقيقيّ للـ"فا" على مستوياتٍ مختلفةٍ وصولاً إلى مرتبةِ التاثاغاتا؟ في كلِّ مستوىً تتضمّنُ كلماتُ بوذا شاكياموني طُرُقَ التعهّدِ الخاصّةِ بذلك المستوى. لذلك يُمكنُ للمُمارسِ أنْ يَرتقيَ بناءً على الفهمِ الذي يصلُ إليه في مستوياتٍ مختلفة. وعندما يرتقي إلى مستوىً جديد، يكونُ هناك دائماً "فا" تُرشدُه. ولذلك فإن نفسَ العبارةِ من "فا بوذا" تُعطي في كلِّ مستوىً فهماً وإدراكاً جديداً. في كلِّ مرّةٍ تقرؤون فيها النّصوصَ الأصليّةَ للسوطرا، تكتسبون فهماً جديداً. وكلّما ارتقيتُم أكثر وواصلتُم قراءتها، ظهرت لكم رؤى جديدة أعمق. وبهذه الطريقة تستمرّون في التعلّمِ وتواصلون تحسينَ أنفسِكم وتعميقَ فهمِكم، وبالتالي يرتفعُ مستوى تعهّدِكم باستمرار.

 

لذا، عندما يقومُ بعضُ الرُّهبان بتفسيرِ السوطرا البوذيّة بكلماتِ الناسِ العاديّين ووِفقَ فَهمِهم الخاصّ، أو عندما يؤلّفون كتباً من هذا النّوع، فإنّهم يُقيّدون الناس فوراً ضِمنَ الإطارِ الذي وضعوه هُم؛ إذ إنّهم يُحدّدون معنى السوطرا وِفقَ فَهمِهم الخاصّ. لقد كانت كلماتُ بوذا شاكياموني على مستوىً عالٍ جداً وتحمِلُ معاني عميقة كثيرة، غير أنّ هؤلاء الرُّهبان لم يُدركوا ذلك لأنّ مستوى تعهّدِهم كان متدنّياً للغاية. إذا آمنَ الأشخاصُ الذين يُمارسون البوذيّة بكلامِهم، فإنّهم سيُدخلونهم في إطارِ تفكيرِهم ويقيّدونهم ضمنَ إطارِ معرفتِهم المحدودة. قد يبدو ذلك في الظاهر أمراً حسناً، وكأنّهم يشجّعون الناسَ على دراسةِ البوذيّة، ولكن أليس في ذلك تقويضٌ لـ"فا بوذا"؟ إنّ تقويضَ "فا بوذا" يُمكنُ أنْ يتّخذَ أشكالاً شتّى، فبعض الذين يخرّبونها يقولون إنّها جيّدة، لكنّهم في الوقتِ نفسِه يقوِّضونها. وهذا النّوعُ من التخريبِ يصعبُ جداً اكتشافُه وتمييزُه، وهو الأكثر إضراراً. ولهذا السببِ تحديداً اندثرتْ الدارما التي علّمها بوذا شاكياموني في الهند.  

 

يحاولُ الكثيرون شرحَ ما علّمهُ بوذا شاكياموني قائلين إنّ كلماتِ بوذا شاكياموني تحمِلُ هذا المعنى أو ذاك، لكنّ هذا ليس إلّا فهماً على مستواهم الخاصّ. بعضُ الأشخاصِ فُتِحَتْ أعيُنهم السماويّة، وقد رأوا بعضَ الحقائقِ على مستوياتٍ مختلفة، لكنّ ما رأوهُ لم يكُن عالياً أو عميقاً مثل ما رآه بوذا شاكياموني على مستوى التاثاغاتا، ولم يخترقوا تلك العوالمَ الكثيرةَ مثله. الأشخاصُ الذين تكونُ أعينهم السماويّة مفتوحةً على مستوياتٍ متدنّيةٍ لا يُمكنهم رؤيةُ سوى عددٍ قليلٍ من الأبعاد، وتكونُ الأبعادُ الكونيّةُ التي يرونها على مستوياتٍ متدنّيةٍ جدّاً. ذلك لأنّ في المستوياتِ المختلفةِ توجدُ مبادئ مختلفة؛ قد يقولون إنّ الأمرَ على هذا النحو، ولكنّه في الواقعِ ليسَ كذلك. أولئك الذين يُفسّرون الـ"فا" بشكلٍ غير مسؤول إنّما يقيّدون الناسَ ضِمنَ إطارِ فهمهِم الخاصّ. إذن أخبروني: هل يحافظ هؤلاء على "فا بوذا" أم يُلحقون بها الضررَ؟ لهذا السببِ بالتحديد لا يُسمحُ لأحدٍ بتغييرِ ولو كلمةٍ واحدةٍ من السوطرا! ما ينبغي عليكم فعلُه هو تعهّدُ أنفسِكم والاستنارةُ وِفقَ تعاليم السوطرا الأصليّة! لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يُفسّرَ حتّى كلمة واحدة من السوطرا تفسيراً تعسفيّاً. لا بأس أنْ تتحدّثوا عن فَهمِكم الخاصّ على مستوياتٍ مختلفة، ويُمكنُكم تبادلُ التجارب. قد يقولُ أحدُكم: "لقد أدركْتُ شيئاً، والآن فهمْتُ هذا المعنى"، أو "أشعرُ أنّ هذه الكلماتِ تُشيرِ إلى أنّني لم أتعامل مع أمرِ ما كما ينبغي، لذا يجبُ أنْ أتحسّنَ بطريقةٍ معيّنة"، أو "هذه الجملة تخصّني وتُظهرُ أخطائي، وأجد ذلك مفيداً حقاً." وعندما يتحسَّنُ هذا الشخص ويقرأها مرّة أخرى، سيَجدُ أنّ نفسَ الجملةِ تمنحُه فهماً جديداً. بهذهِ الطريقةِ يَرتقي المرء، وبهذهِ الطريقةِ يستنيرُ الناسُ ويفهمون الأمور.

 

في الوقتِ الحاضر، كتبَ بعضُ الرُّهبان والعلمانيّين الكثيرَ من الأشياء، ويعتبرون كلَّ ما كتبوهُ سوطرا. لكنّ السوطرا الحقيقيّةَ هي فقط ما علّمهُ البوذا! فكيف يُمكنُ أنْ تُعتبَرَ كتاباتُ هؤلاء الرّهبان سوطرا؟! ومع ذلك، لا يزالون يسمّونها سوطرا. والأسوأُ من ذلك أنّ العديدَ من الرُّهبانِ والبوذيّين العلمانيّين يسعوْن وراءَ الشّهرةِ والثروة، ويُبالغون في كلِّ ما يفعلونه، ويتباهوْن إذا مدحَهم الآخرون وأثنوا عليهم. لكنّ المُمارسَ الحقيقيَّ يجبُ أنْ يتعهّدَ نفسَه تعهّداً حقيقيّاً. فالتعهّدُ الحقيقيُّ يتمحورُ حولَ التخلّصِ من التعلّقاتِ البشريّة. أمورٌ مثل السّعي وراءَ الشّهرةِ والثروةِ بين الناسِ العاديّين، وروح القتال، وحبّ الظهور، والحسد - جميعُ هذه الرّغباتِ والتعلّقاتِ البشريّة يجبُ التخلّصُ منها. أمّا أولئك الذين يحرصون على التميّز عن الآخرين ويتباهون في الدنيا بالشهرة والمظاهر البرّاقة، فكم من أنواع التعلّقات تنكشِفُ لديهم؟ إنّ المُمارسين الحقيقيّين لا يشعرون بالارتياح عندما يروْن مثلَ هؤلاء الأشخاص. وهناك أيضاً مَن يتعهّدون البوذيّة، ومع ذلك لديهم رغبةٌ قويّة في المالِ والثروة. قد لا يُفصحون عن ذلك علناً، ولكنْ في اللحظةِ التي تنشغلُ فيها عقولُهم بهذه الأمور، فإنّ أولئك الموجودين على مستوياتٍ عُليا في التعهّدِ، وكذلك البوذا، يعرفون ذلك على الفور.

 

ويُقصَدُ هنا أساساً المُمارسين الذين يتعهّدون بشكلٍ مهنيّ، مثل الرُّهبان أو رجال الدّين، لكنّ الأمرَ نفسَه ينطبقُ في الواقعِ على الكثيرِ من الأشخاصِ الذين يدرسون البوذيّة. هل يتعلّمُ هؤلاء البوذيّة حقاً؟ وماذا يتعهّدون إذن؟ إنّ التعهّدَ يتمحورُ حولَ إزالةِ التعلّقات؛ يجبُ الترفّعُ عن جميعِ الرّغباتِ البشريّةِ. لماذا اختارَ العديدُ من الأشخاصِ الذين نالوا الطاو الذهابَ إلى أعماقِ الجبالِ ولم يرغبوا في البقاءِ في المعابدِ في عصرِ نهايةِ الـ"فا"؟ لأنّهم وجدوا أنّ كثيراً من المُقيمين في المعابدِ لا يقومون بتعهّدٍ حقيقيّ. كان لدى العديد من الرُّهبانِ هناك تعلّقاتٌ لا يريدون التخلّي عنها، وكانوا يتآمرون ويتصارعون فيما بينهم، فلم تعُد المعابدُ مكاناً نقيّاً للتعهّدِ الحقيقيّ، وقد ابتعدَ هؤلاء المُمارسون عن المعابدِ ورحلوا بعيداً.

 

ثمّ بالطبع توجدُ بعضُ الدياناتِ الهرطقيّةِ والمُمارساتِ الشيطانيّةِ التي تقومُ بالتّخريبِ علناً. من السّهلِ التعرّف عليها؛ بنظرةٍ واحدةٍ يُمكنُ للمرءِ أنْ يعرفَ أنّها شرّيرة. ومع ذلك فإنّ الضّررَ الذي يحدثُ تحت اسمِ البوذيّة هو الأشدّ خطورة. لماذا قال بوذا شاكياموني إنّ الدارما التي علّمها لنْ تكونَ قادرةً على إنقاذِ الناسِ في عصرِ نهايةِ الـ"فا"؟ نحنُ نعيشُ الآن في عصرِ نهايةِ الـ"فا". ومن الصّعبِ جداً حتّى على الرُّهبان أنْ يُخلّصوا أنفسَهم، ناهيك عن إنقاذِ الآخرين! لقد وَصَفْتُ الظواهرَ التي تحدثُ في عصرِ نهايةِ الـ"فا"، وقد أدركَ بعضُ الناسِ الحقيقةَ على الفور. إنّ تطوّرَ المجتمع اليوم مرعبٌ جداً. ما عليكم إلّا إلقاءَ نظرة لتلاحظوا أنّ كلَّ أنواعِ الأشياءِ الزائفة والهرطقيّة والشرّيرة والفوضويّة قد ظهرت!

 

نحن نتحدّثُ عن هذهِ المبادئ هنا دونَ الإشارةِ إلى أيِّ شخصٍ بعينِه. لقد ألّفَ العديدُ من الرُّهبان كتباً، ويبدون في الظاهرِ وكأنّهم ينشرون "فا بوذا"، لكنّهم في الواقعِ مُنشغلون تماماً بالسعي وراءَ الشهرةِ والثروة. يسألني الناس: "ماذا عن فلان وفلان؟" فأجيبُهم: "على الرّغمِ من شهرتهِ الكبيرة، إلّا أنَّه يفسّرُ السوطرا البوذيّة كما يشاء ويُروّجُ لنفسِه فقط. في الواقع، لقد حُكِمَ عليه بالجحيمِ منذُ فترةٍ طويلة."

 

هناك السوطرا، والقواعد الرّهبانيّة، والشروحات. لكنْ باستثناءِ السوطرا، فإنّ جميعَ هذه النصوص تُقوّضُ المعنى الأصليّ لـ"فا بوذا". في الوقتِ الحاضرِ يتحدّثُ البعضُ عن "السلال الثلاث"، غير أنّه في الحقيقةِ لا وجودَ لثلاثِ سلال؛ هناك فقط السوطرا البوذيّة. والسوطرا تبقى هي السوطرا، أمّا البقيّة فلا يُمكنُ وضعُها على قدمِ المساواةِ مع السوطرا.

 

 

انحطاط البشريّة وظهور الكائنات المستنيرة

 

إنّ انحطاطَ البشريّةَ لم يبدأ فقط في زمن حوّاء فقط، ذلك العصرُ الذي أشارَ إليه يسوع. فالأرضُ لم تعرف حضارةً واحدةً أو حقبةً بدائيّةً واحدة، بل مرّتْ عبر التاريخ بحضاراتٍ سبقتْ العصورَ المدوَّنة ثم أُبيدتْ كليّاً. وأحياناً كان كوكبُ الأرضِ نفسُه يُدمَّرُ بالكامل أو يُستبدلُ، فتُخلَق أرضٌ جديدةٌ تماماً. ألا تتحدّثُ البشريّةُ عن كوارثِ "جيي"؟ إنّ هذا الأمر مذكورٌ فعلاً في الديانات؛ فبعدَ زمنٍ معيّن تقعُ كارثةُ "جيي" كُبرى، وفي أزمنة أخرى قد تقعُ كوارثُ "جيي" صُغرى. وتُفني الكوارث الصغرى البشرَ على نطاقٍ محلّي؛ فإذا بلغت منطقةٌ ما حدّاً شديداً من الفساد أُبيدت، سواء بزلزال أو بغرقِ الصفائح القارّية أو الطمرٍ بالعواصفِ الرمليّةِ أو الأوبئة أو الحروب. فالكارثةُ الصُغرى ذاتُ أثرٍ محلّي، أمّا الكوارثُ الكبرى فهي تلك التي تمتدّ لتشملَ تقريباً البشريّةَ جمعاء، ولا تقعُ إلّا بعد مرورِ فتراتٍ طويلةٍ لا تُحصى. إنّ حركةَ هذا الكوكب تُشبه حركةَ المادّة، وهي أيضاً تخضعُ لقوانينَ مُحدّدة. وخلال دورانِه قد تقعُ كوارثُ "جيي" كبرى تُفني البشريّةَ وتُدمّرها بالكامل. ومع ذلك ينجو عددٌ قليل من الناس، فيَرثون شيئاً من تراثِ الحضاراتِ السابقة، ويعيشون حياةً بدائيّةً تُشبِه العصرَ الحجريّ. وبما أنّ جميعَ الأدواتِ قد دُمِّرت، يجدُ الجيلُ الجديدُ نفسَه في مستوىً أدنى من أسلافِه، وقد فُقِدَت لديهم كثيرٌ من المعارفِ والأشياء. ومن تلك الحالةِ البدائيّة يتكاثرُ البشرُ من جديد، حتّى تظهر حضارةٌ أخرى وتكنولوجيا متقدّمة. ثمّ ما إنْ يتدهور البشرُ مرّةً أخرى، حتّى تظهرُ كوارثُ الـ"جيي" من جديد، وِفقَاً للتغيّراتِ الدوريّةِ في مراحلِ "التكوين، الاستقرار، التدهور".

 

بمعنىً آخر، فإنَّ تدهور البشريّةِ أمرٌ لا مفرَّ منه. وفي كلِّ مرّةٍ تظهرُ فيها حضارةٌ بشريّة، كانت الآلهةُ ترسلُ دائماً كائناتٍ مستنيرة عظيمة إلى المجتمعِ البشريّ لتقديمِ الخلاص للناس. وكان الغرضُ من ذلك هو الحيلولةُ دون اختلالِ التوازن بين تدهورِ تفكير ِالبشرِ وتدهورِ الموادّ على الأرض. فجميعُ الموادّ التي يتكوّنُ منها كوكبُ الأرض، ضمن هذا الكون، تحمِلُ خاصيّةً محدّدة، ومن خلال هذه الخاصيّةِ وحدها يمكنُ للموادّ ذاتِ الشكلِ والحياة أنْ تتشكّلَ من المادّةِ البدائيّةِ عديمةِ الشكل. غير أنّه قبل أن تتدهورَ المادّةُ نفسها، لا يُسمحُ بأنْ يَنحطَّ الفكرُ البشريّ. ولهذا، في كلِّ مرّةٍ تظهرُ فيها حضارةٌ أو ثقافةٌ بشريّة، تظهرُ معها كائناتٌ مستنيرةٌ عظيمة. في جميعِ فتراتِ ما قبل التاريخ ظهرتْ كائناتٌ مستنيرةٌ عظيمة. أمّا في الحضارةِ الحديثة، فقد جاءتْ شخصيّاتٌ مثل يسوع وشاكياموني ولاو تسي لتعليمِ الناس وإرشادِهم. وفي المناطق المتحضّرةِ التي نشأتْ عبر العصورٍ المختلفة، كانت تظهرُ كائناتٌ مستنيرةٌ أخرى تتولّى تعليمَ البشرِ كيف يعودون إلى الأصل وإلى الحقّ، ليصلَ مَن يستطيعُ مِنهم إلى الطاو ويبلغَ الكمالَ الروحيّ؛ كما كانت تعلّمُ الناسَ العاديّين أنْ يعتزّوا بالدو (الفضيلة). لقد طُلِبَ من البشرِ أنْ يُحافظوا على مستوىً عالٍ من الأخلاق، حتّى لا ينحرفُ العقلُ البشريُّ بسهولة. وفي نهايةِ المطاف، عندما يحينُ اليوم الذي تتدهورُ فيه جميعُ الموادّ في الكون، فلنْ يتدخّل المستنيرون بعدَ ذلك. غير أنّ هذه العمليّةَ طويلةٌ جداً.

 

ما تحاولُ الكائناتُ المستنيرةُ فعلَه في تلك الأوقاتِ هو حفظُ البشريّة، ومنعُ انحطاطِها، وتمكينُ أولئك الذين يستطيعون الارتقاءَ في التعهّدِ من أن يتعهدوا حقاً ويبلغوا الطاو. فالإنسانُ لم يتطوّر من القردة كما ادّعى داروين؛ إنّ الإنسانَ يقلّلُ من قدرِ نفسِه بهذا الادّعاء. لقد سقطَ البشرُ إلى هنا من أبعادٍ كونيّةٍ مختلفة، ولأنّهم لم يعودوا يستوفون متطلّباتِ الـ"فا" الكونيّة في مستوياتهم، كان لا بدّ لهم أنْ يَسقطوا إلى الأسفل. وكما قُلنا من قبل، كلّما كانت التعلّقاتُ البشريّةُ لدى الإنسانِ أشدّ، ازدادَ هبوطُه في المستوى، إلى أنْ يصلَ إلى مستوى الناسِ العاديّين. في نظرِ الكائناتِ العُليا، ليس المغزى من حياتك كإنسانٍ أنْ تكونَ مجرّد إنسان، بل أنْ تستنيرَ سريعاً في هذا العالمِ الوهميّ - الأرض - ثمّ تَعود إلى الأصل. هذه هي فكرتُهم الأساسيّة، وهُم يفتحون لك من خلالِها باباً. أمّا الذين يفشلون في العودة، فلا خيارَ أمامَهم سوى الاستمرارِ في التقمّصِ إلى أنْ تتراكَم عليهم الكارما ويُبادوا. ولهذا السبب تشهدُ الأرضُ تكرارَ وقوعِ كوارث الـ"جيي".

 

ولكنْ من زاويةٍ مختلفةٍ تماماً، فإنّ الأرض في الواقع ليستْ سوى مكبّ نفاياتٍ في الكون. ففي الأكوانِ الهائلة التي لا تُحصى توجدُ مجرّاتٌ وكواكبُ لا تُعدُّ ولا تُحصى أيضاً، وعلى كلِّ كوكبٍ منها توجدُ كائناتٌ حيّة. غير أنّ البشرَ يُنكرون وجودَ أبعادٍ أخرى، لذلك لا يستطيعون رؤيةَ تلك الكائنات. إنّها تعيشُ على تلك الكواكب، ولكنْ في أبعادٍ مختلفة عن بُعدنا، وبالتّالي لا يُمكنُ للناسِ العاديّين رؤيتُها. على سبيلِ المثال، يقولُ البشرُ إنّ المرّيخَ حارٌ جداً في هذا البُعد. لكنْ إذا اخترقَ المرءُ هذا البُعد، يظهرُ المرّيخ بارداً على الجانبِ الآخر. كثيرٌ من الأشخاصِ الذين يتمتّعون بقدراتِ الغونغ يحدّقون في الشّمس، فيلاحظون أنّها لا تعودُ حارةً بعدَ فترةٍ من التحديق، ثمّ تُصبحُ مظلمةً عند الاستمرارِ في المُراقبة، وبعدَ مزيدٍ من المُراقبة تتحوّلُ إلى عالمٍ باردٍ ومليءٍ بالحياة. فهي تتجلّى في هذا البُعدِ الماديِّ بهذه الصورة، بينما تتجلّى في بُعدٍ ماديٍّ آخر بصورةٍ مُختلفة. إذن، توجدُ كائناتٌ حيّةٌ في كلِّ مكان، ويشملُ ذلك البشرَ أيضاً. وعندما لا تُلبّي الكائناتُ معاييرَ تلك الطبقات العليا، فإنّها تهبِطُ تدريجيّاً إلى أنْ تَصلَ إلى مستوى الناسِ العاديّين، تماماً كما يفشلُ طالبٌ مدرسيٌّ في الترفّعِ إلى صفٍ أعلى. وهكذا فإنّ الكائنات السيّئة في الكونِ تسقطُ إلى الأسفل، نحوَ مركزِ الكون - الأرض.

 

يجبُ على الناسِ في العالمِ البشريِّ أنْ يمرّوا بعمليّةِ التقمّص، وليسَ هناك ما يضمنُ أنّهم سيولدون من جديدٍ كبشر؛ فقد يتجسّدون مرّةً أُخرى في أجسامٍ ماديّةٍ مختلفة أو نباتاتٍ مختلفة أو حيواناتٍ مختلفة، وحتّى كميكروبات. وخلالَ فترةِ التقمّص تظلُّ الخطايا التي ارتكبوها مُلازمةً لهم على الدوام، وهي ما يُسمّى بالكارما. وما يُمكنُ للكائنِ أنْ يحملَه معه إلى الأبد هو الدو والكارما. إذا كان لدى شخصٍ كارما ضخمة وتجسّدَ في هيئةِ شجرة، فإنّ تلك الشجرة ستحملُ الكارما. وإذا تجسّدَ لاحقاً في هيئةِ حيوان، فإنّ ذلك الحيوان سيحملُ الكارما نفسها. ويُمكنُ حتّى للطوبِ والتربةِ والصخورِ والحيواناتِ والنباتاتِ الموجودة على الأرضِ أنْ تحملَ الكارما أيضاً. لماذا لم تعُد الأدويةُ الحاليّة، سواء أُخِذت عن طريقِ الفمِ أم حُقِنَت في جسمِ الإنسانِ، في عصرِ نهايةِ الدارما فعّالةً بالقدْرِ نفسه كما كانت في الماضي؟ لأنَّ البشرَ اليوم، بعد أنْ خلقوا كميةً هائلةً من الكارما، أصبحوا يحمِلون كارما قويّةً ترافقهم. لم تعُد فعاليّةُ الدواءِ تُحدِثُ أيّ تأثير، ولم يعُد الدواءُ قادراً على شفاءِ المرض. وإذا أُعطيَت للمريضِ جرعةً أكبر، فقد يُصابُ بالتّسمم. في أيّامنا هذه، كثيرٌ من الأمراضِ باتت غيرَ قابلةٍ للشفاء. هذا هو حالُ كوكبِ الأرضِ بأسره؛ في الواقع، لقد تدهورَ كلُّ شيءٍ إلى حدٍ خطير. 

 

لقد كان يسوع قادراً على حملِ خطايا البشر، وقضى بوذا شاكياموني تسعةً وأربعين عاماً في تخليصِ الناس، وقد قاما بذلك بشقِّ الأنفسِ وبجهدٍ كبير. أليس هذا هو المقصودُ بالخلاصِ الشاملِ لجميعِ الكائنات؟ لكنْ لماذا لم يُرسِلا الجميعَ مباشرةً إلى الأعلى؟ لأنَّ البشرَ لم يُلبّوا بعْد معاييرَ المستوياتِ العليا، لذلك لم يستطيعوا الصعودَ إلى هناك. لكلِّ مستوىً معاييرُه الخاصّة. هل يُمكنك دخولُ الجامعةِ إذا لم تُلبِّ متطلباتِ الطالبِ الجامعيّ؟ كذلك، إذا لم تتمكّن من التخلّي عن كثيرٍ من الأشياء، وكان جسدُك مُثقلاً بها، فلنْ تستطيع الصعود. فأيُّ مستوى يكونُ فيه معيارُك الأخلاقيّ، هناك يكونُ موقعُك. الطريقةُ الوحيدةُ للارتقاءِ تشبِه الالتحاق بالمدرسة: مَن يستطيعُ رفعَ مرتبتِه يصعدُ إلى الأعلى، ومن يراوحُ مكانَه يزدادُ فساداً وتدهوراً إلى أنْ يحينَ موعدُ تدميرِه. عندما تُصبحُ القمامةُ نَتِنة، لا يجوزُ السماحُ لها بتلويثِ الكون، لا بدَّ حينَها من تدميرِها.

 

يتحدّثُ البوذا عن الخلاصِ الشاملِ لجميعِ الكائناتِ الحيّة، أي إنّ البوذا على مستوى التاثاغاتا هُم الذين يتحدّثون عن الخلاصِ الشاملِ لجميعِ الكائنات. أمّا البوذا الذين يبلغُ مستواهُم ضعفَ مستوى التاثاغاتا، فلا يهتمّون بشؤونِ البشرِ العاديّين. ولو فعلوا ذلك، فإنّ نُطقَ جملةٍ واحدةٍ فقط كفيلٌ بأنْ يُحدِثَ تغييراتٍ بين البشرِ العاديّين. لذلك لا يُمكنُهم التدخّلُ في شؤونِ البشر، إذ إنَّ قوّتَهم هائلةٌ جدّاً. بالنسبةِ إلى البوذا الأعظم، فإنّ الأرض لا تكادُ تتّسع حتّى لإصبعِ قدمٍ واحدٍ منه؛ وبالنسبةِ لبوذا أعظمَ منه، فإنّ الأرضَ لا تكفي حتّى لبُصيْلةِ شعرٍ واحدةٍ منه. كلماتُ البوذا هي في حدِّ ذاتِها الـ"فا"، ومجرّد أنْ تُنطَق تُحدِثُ تغييراتٍ فوريّة. ولهذا السبب هُم لا يتدخّلون أبداً في شؤونِ الأرض. الوحيدون الذين يُخلِّصون الكائناتِ على نطاقٍ واسعٍ هُم التاثاغاتا والبوديساتفا.

 

يُشيرُ البوذا تاثاغاتا إلى البشرِ على أنّهم أشخاصٌ عاديّون، لكنّ الكائناتِ الإلهيّة الأعلى مقاماً تنظرُ إلى التاثاغاتا أنفسهم أيضاً على أنهم بشرٌ عاديّون. من منظورِ إلهٍ على مستوىً عالٍ جداً، فهو لا يعُدُّ البشرَ حتّى بمثابةِ ميكروبات. وعندما ينظرون إلى هذا العالم، يقولون: "هذا المكانُ فاسدٌ، ينبغي هدمُه وتدميرُه بالكامل!" هكذا تبدو الأرضُ في نظرهم. أولئك الذين يشعرون بالرّحمةِ تجاه البشر هُم البوذا في المستوياتِ الأقربِ إلى البشر. لقد كان يسوع، وكذلك لاو تسي على مستوى التاثاغاتا. أمّا الموجودون في المستوياتِ العُليا فلا يهتمّون بشؤونِ البشر. وإذا نادى البشرُ بأسمائهِم فإنّهم لا يسمعونهم، بل قد يُعدُّ مجرّدَ نطقِ أسمائِهم نوعاً من الإهانة؛ تماماً كما لو أنّ صوتاً صادراً من داخلِ القذارةِ يُنادي باسمِك.

 

 

العِلم والتعهّد شيئان مختلفان تماماً

 

لقد كان يسوع أيضاً على مستوى التاثاغاتا. في الماضي، كانت مرتبةُ التاثاغاتا هي الأدنى بين مراتبِ البوذا، ولم يكُن من المُعتادِ إطلاقُ لقبِ "بوذا" على مَن هُم أدنى من التاثاغاتا، بل كان يُطلَقُ عليهم لقبُ "بوديساتفا" أو "أرهات". جميعُ التاثاغاتا لديهم ممالكهم السماويّة الخاصّة. في مجرّةِ دربِ التّبانة يوجدُ أكثرُ من مئة تاثاغاتا، أي إنّ هناك أكثرَ من مئة مملكةٍ سماويّةٍ للبوذا. كلُّ مملكةٍ من هذه الممالك يحكمُها واحدٌ من التاثاغاتا، ولكلِّ تاثاغاتا في مملكتِه السماويّة الخاصة منظومةٌ خاصّة من أساليب التعهّد، وكذلك طُرُقُه الخاصّة في تخليص البشر. إنّ نشوءَ مملكته الخاصّة يرتبطُ ارتباطاً مباشراً بتعهّدِه هو نفسه، كما أنّ بُنيةَ مملكته الخاصّة قد نشأت أيضاً من خلال تعهّده. لكنّ هذهِ الممالك ليستْ شيئاً يُمكنُ للإنسانِ المعاصرِ أنْ يُنشِئَه من خلالِ التعهّد، إذ إنّها جميعاً قد نشأت قبل ملياراتٍ لا تُحصى من السنين.

 

وهنا تكمُنُ المشكلة. يظنّ الناسُ العاديّون أنّهم يستطيعون إثراءَ عقولِهم إذا أتقنوا عدّةَ طرقٍ للتعهّد، وتعمّقوا في معارفِ الأديان الأخرى، ويعتبرون ذلك نوعاً من الحكمةِ والمعرفةِ ضمن مستوى الناسِ العاديّين. لكنْ في الحقيقة، هذا ليس من معارفِ الناسِ العاديّين، ولا يُمكنُ فهمُه وفق مفاهيمِهم. لماذا يُقالُ إنّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يركّزَ على تنميةِ الشينشينغ في ممارسةِ التعهّد؟ ولماذا تُؤكّدُ الممارساتُ الطاويّةُ على الدو؟ لأنّ هناك "فا" (قانوناً) في هذا الكون، هناك خاصيّةٌ كونيّة. وهذه الخاصيّةُ تفرِضُ متطلّباتٍ مختلفة على الكائناتِ تبعاً لاختلافِ مستوياتِها. يعيشُ البشرُ في مستوى الناسِ العاديّين، لذا يجبُ عليهم الالتزامُ بالمعايير الأخلاقيّة الخاصّة بالناسِ العاديّين. لماذا لا يستطيعون الارتقاءَ في التعهّدِ إذا لم يأخذوا الدو على محملِ الجدّ؟ لأنّ المستويات التي تتجاوزُ مستوى الناسِ العاديّين تخضعُ لمعايير الآلهة. إذا لم تتوافق مع هذه المعايير، فلنْ تتمكّنَ من الارتقاءِ إلى تلك المستويات. لماذا يُمكنُ للكائناتِ في السّماء أنْ تسقطَ؟ ولماذا يسقطُ الأرهات أيضاً إذا لم يُحسِنْ التعهّد؟ لأنّه لم يعُد يستوفي المعاييرَ الخاصّة بتلك المستويات.

 

إذن، هناك أكثرُ من مئة مملكةٍ سماويّةٍ في دربِ التّبانة، وفي كلِّ مملكةٍ منها يوجدُ تاثاغاتا يتولّى إدارتَها. تتشكّلُ خصائصُ هذه المملكة السماويّةِ بحسبِ أسلوبِ تعهّده. لقد تبيّنَ لنا أنَّه، سواءَ في المُمارساتِ الدينيّةِ أو في طُرقِ التعهّدِ الأخرى، تبدو الحركاتُ في الظاهرِ بسيطةً للغاية، كالجلوس في التأمّل أو ضمّ اليدين (جييِن)، ومع ذلك فهي تفي بالغرض. حتّى في المدرسةِ الطاويّة التي تتطلّبُ حركاتٍ جسديّة، لا نجِدُ سوى عددٍ قليلٍ من الحركات، وهي أيضاً بسيطة. فكيف يُمكنُ لمثلِ هذه الحركاتِ البسيطةِ أنْ ترفعَ المُمارسين إلى العوالم السامية لبوذا والبوديساتفا والأرهات؟ السببُ هو أنّ التطوّرَ والتحوّلَ الحقيقيّ للغونغ معقّدٌ للغاية، إذ ينبغي أنْ تتحوّلَ جميعُ خلايا الإنسان، وأنْ تُنمَّى مجموعةٌ كاملةٌ من القدراتِ الإلهيّة، فضلاً عن أمورٍ كثيرةٍ ما زالَ البشرُ يجهلونها؛ كلُّ ما يتوافقُ مع المستوياتِ المُختلفة يجبُ أنْ يتطوّرَ ويُنمّى بشكلٍ كامل. ولنأخذ مثالاً: إنّ هذه العمليّاتِ أعقدُ حتّى من أعقدِ الأدواتِ الدقيقةِ المعروفةِ في عالمِ البشر، وهي تتجاوزُ الفهمَ البشريّ. ولهذا السببِ يُقالُ في أوساطِ التعهّد: "التعهّدُ يعتمدُ على الشخص نفسِه، أمّا الغونغ فيعتمدُ على المعلّم". بمعنى آخر، فيما يتعلّقُ بطُرقِ التعهّدِ الحقيقيّة، على الرّغمِ من أنّ الناسَ تحدّثوا عن طُرقِ التعهّدِ في مدرسةِ الطاو، إلّا أنّها تبقى مجرّد مبادئ سطحيّةٍ وأمنيات، أشياء نظريّة لا أكثر. إذا كان الإنسانُ يطمحُ حقاً في تعهّدِ غونغ حقيقيٍّ مُستخلصٌ من موادّ طاقيّةٍ عُليا، يجبُ أنْ يمتلكَ الرغبةَ والعزمَ على ذلك. أمّا التحوّلُ الحقيقيُّ الذي يحدثُ في الأبعادِ الأخرى، فهو معقّدٌ للغاية ويتجاوزُ إمكانيّاتِ البشر؛ إذ إنّ كلَّ ذلك يتمّ من قِبَل المعلّم.

 

هناك نقطةٌ يجبُ ذكرُها هنا: إذا خلطْتَ في تعهّدِك أشياء من مُمارساتٍ أخرى، فسوفَ تظهرُ المشاكلُ لا محالة. في الماضي كان يُحظَرُ على الرّهبانِ التواصلُ مع مدارس أخرى، وكانت الأديرةُ عبر الأجيالِ المتعاقبةِ تمنعُهم منعاً باتاً من قراءةِ كتبِ المدارسِ الأخرى. أمّا اليوم، فقد عمّت الفوضى بين الرّهبان. في الماضي كان مُحرّماً على الرّهبانِ امتلاكُ أيّ متاعٍ دنيويّ، وكان من المحظورِ تماماً قراءةُ كتبِ المدارس الأخرى. ذلك لأنّ الرّاهبَ ينبغي أنْ يتعهّدَ في مدرسةٍ واحدة، ويلتزمَ بنظامِ تعهّدٍ واحدٍ فقط. إذا كانت أفكارُ الإنسانِ كلُّها منصبّةً على أمورِ هذه المدرسةِ وحدها، عندئذٍ فقط يستطيعُ أنْ يتقدّمَ بثباتِ في التعهّد، ويسلك طريقاً يرتقي به نحو العُلى. ولكن إذا خلطتَ أشياءَ من مدارس أخرى، فهذا يُشبهُ وضعَ قطعةٍ من الكاميرا في جهازِ التلفزيون؛ سوفَ يتعطّلُ على الفور. أنا فقط أوضّحُ هنا نقطة: عندما تخلطُ بين المُمارساتِ، فإنّ الغونغ لديك سيتعطّلُ، ولنْ تعودَ قادراً على الارتقاءِ في التعهّد. علاوةً على ذلك، يُصبحُ من الصّعبِ التمييز بين الحقِّ والباطل. إذا أضفتَ شيئاً هرطقيّاً أو زائفاً، فمِنَ المُحتملِ جداً أنْ يكونَ تعهّدُك قد ذهبَ سدىً. وحتّى المعلّم لنْ يجِدَ حلّاً، لأنّ جوهرَ المشكلة يكمُنُ في الشينشينغ لديك.

 

إنّ عمليةَ تحوّلِ الغونغ معقّدةٌ للغاية، ومع ذلك يعتبرُها الناسُ مجرّدَ نظريّاتٍ ضِمن نطاقِ الناس العاديّين. يقولُ بعضُهم: "سأتعلّمُ قليلاً من المسيحيّة، وقليلاً من البوذيّةِ، وقليلاً من الطاويّةِ، وقليلاً من الكونفوشيوسيّة"، ويصفون ذلك بأنّه "عدّة تعاليم تحت سقفٍ واحدٍ"، لكنّ هذا في الواقعِ هراءٌ. هذه أكبرُ مشكلةٍ ظهرتْ في عصرِ نهايةِ الـ"فا". كلُّ إنسانٍ يمتلكُ طبيعةَ بوذا، ولديهِ الرغبةُ في التعهّدِ ويريدُ أنْ يُصبحَ صالحاً. ومع ذلك يتعاملُ الناسُ مع هذه الأمورِ كما لو كانت مجرّد نظريّاتٍ للناس العاديّين. أمّا فيما يخصُّ المهاراتِ التقنيّة للنّاس العاديّين، فيكون الأمرُ على هذا النحو: كلّما ازدادتْ معرفتُك كان ذلك أفضل. لكنّ الشخصَ الذي يخلطُ بين المُمارساتِ المُختلفة لا يفعلُ سوى خلْقِ المزيدِ من الفوضى، ولنْ يتمكّنَ بعد ذلك من التعهّد، ولنْ يبقى لديه أيَّ غونغ على الإطلاق.

 

 

طبيعة بوذا

 

بعدَ أنْ يتكوّنَ لديك مفهومٌ ما، فإنّه يُسيطرُ عليك طوال حياتك؛ إذ يوجِّهُ تفكيرَك ومشاعرَك، بما في ذلك سعادتك وغضبك وحزنك وفرحك. هذا المفهوم يتشكّلُ بعد الولادة؛ وإذا استمرّ لفترةٍ طويلة فإنّه يُصبحُ جزءاً من تفكيرِ الإنسان، ويندمجُ مع عقلِ الذاتِ الحقيقيّة، فيتحوّلُ إلى طبعٍ ثابتٍ لديه. 

 

تلك المفاهيم التي تتشكّلُ لدى الإنسان تُعيقُه وتُهيمنُ عليهِ طوالَ حياتِه. وغالباً ما تكونُ مفاهيمُ الإنسانِ أنانيّة، بل وأسوأ من ذلك، إذ تولّدُ كارما الأفكار، وبذلك تُصبحُ الكارما هي المتحكّمة بالإنسان. الأصلُ أنْ تتحكّمَ الروحُ الرئيسيّةُ بالإنسان، لكنْ حين تضعفُ روحُك الرئيسيّةُ وتُفسِحُ المجالَ لهذه المفاهيمِ لتحلَّ محلّها، فهذا يعني أنّك قد استسلمْتَ لها دون قيدٍ أو شرط، وعندئذٍ تُصبحُ حياتُك خاضعةً لسيطرتِها.

 

الذاتُ هي ذاتُك الأصليّة، وهي ثابتةٌ لا تتغيّر. غير أنّ الإنسانَ يميلُ عادةً إلى تكوينِ مفاهيم معيّنة عند إدراكهِ للأمور، وهذهِ المفاهيم ليستْ ذاتك الحقيقيّة. إذا استطعتَ ألّا تُكوّن أيّ مفاهيم أو نزعات، فإنّك عندما تنظرُ إلى شيءٍ ما ستراهُ من منظورِ طبيعتِك الأصليّة، من منظورِ ذاتك الحقيقيّة، وعندها ستَحكمُ على الأمورِ برحمة. كلّما تجلّتْ ذاتُك الحقيقيّةُ أكثر، ارتقى مستوى تفكيرِك، واقتربَتْ أفكارُك من الحقيقة، وازدادَ تجسيدُ أفكارِك لطبيعتك الأصليّة الخيّرة. إنّ البنيةَ المادّية لجسمِ الإنسانِ على مستوى الجُسيماتِ المتناهيةِ في الصغر تُجسّدُ طبيعتَه الأصليّة، وهي طبيعةٌ ثابتةٌ لا تتغيّر أبداً. عندما تزولُ القيودُ التي تُكبِّلُ تفكيرَ الإنسان، تتجلَّى طبيعتُه الخيّرة بوضوح، وتظهرُ معها شخصيّتُه ومزاجُه وسماتُه الخاصّة، وتلك هي ذاتُه الحقيقيّة.

 

إنّ الروحَ الرئيسيّةَ لا تتغيّر بسببِ المفاهيم التي يكوّنُها الإنسانُ نفسُه؛ هذه المفاهيمُ المُكتسبةُ لا تُغيّرُ الصفاتِ الجوهريّةَ للرّوحِ الرئيسيّة. ومع ذلك، وبسببِ مُختلفِ المفاهيم البشريّةِ وأشكالِ الكارما، تظلُّ الطبيعةُ الأصليّةُ للإنسانِ مدفونةً ومحجوبةً بالكامل، غير قادرةٍ على إظهارِ نفسها، لكنّها تبقى ثابتةً لا تتغيّر. ذلك لأنّ الكارما لا تتكوّنُ من جسيماتٍ دقيقةٍ على مستوىً ميكروسكوبيٍّ بالغ الصغر، بل تتولّدُ بين الناسِ العاديّين، ولذلك تُعدّ مادّةً تنتمي إلى مستوى الناس العاديّين. من غيرِ المُمكنِ أنْ تكونَ هذه المادّة بالغة الدقّة، أمّا الموادّ التي خُلِقَ منها الإنسانُ فهي دقيقة ومتناهية الصغر إلى حدٍّ بالغ. ولهذا السببِ لا تستطيعُ الكارما اختراقَ تلك الموادّ؛ كلُّ ما في الأمرِ هو أنّ الطبيعةَ الأصليّةَ للإنسانِ قد دُفنت. الطبيعةُ الأصليّةُ للإنسانِ لها طريقتها الخاصّة في النّظرِ إلى الأمور. إذا استطَعْتَ حقاً إزالةَ المفاهيم والنزعات التي تكوّنت لديك بعد الولادةِ واستعدْتَ إدراكَ طبيعتِك الأصليّة، فستعودُ إلى الموضعِ الذي جِئتَ منه، أي إلى المفاهيم الأولى التي تكوّنت لديك في المكانِ الذي خُلِقْتَ فيه في البداية. لكنّ التغلّبَ على الأفكارِ والمفاهيم المُكتسبة بعدَ الولادةِ أمرٌ بالغُ الصعوبة، وهذا في الحقيقةِ هو جوهرُ التعهّد.

 

في المستوياتِ المختلفة تتجلَّى الـ"فا" بمظاهرَ مختلفة، وفي كلِّ مستوى، تظهرُ الـ"فا" وِفقَ خصائص ذلك المستوى. إذا كنتَ كائناً حيّاً نشأ في أحدِ تلك المستويات، فإنّ مفاهيمك تكونُ مُماثلةً لمفاهيم الـ"فا" في ذلك المستوى. وعندما تتجلّى طبيعتُك الأصليّة الحقيقيّة من جديد، فإنّ ذلك سيكونُ هو المستوى الذي تفهمُ فيه الأمور، أي إنّه معيارُ إدراكِك وفهمِك، وهذا المعيارُ هو أنتَ نفسُك. 

 

ليسَ للكارما معيار جين-شان-رِن؛ فهي تحكمُ على الأشياءِ وِفقَ المعيارِ الذي كان سائداً في الوقتِ الذي تكوّنتْ فيه تلك المفاهيم. وقد تُحوِّلُ الشخصَ إلى ما يسُميهِ الناسُ العاديّون "شخصاً ماكراً" أو "دنيويّاً". هذا يعني أنّ أشكالاً مختلفةً من كارما الأفكار قد تظهرُ خلال مسارِ التعهّدِ، وتعيقُ المُمارس عن التقدّمِ في تعهّدِه. لو لم تَكُن الكارما تُعيقُ الناسَ عن التعهّد لكانَ التعهّدُ سهلاً. هذه الكارما تتكوّنُ في ظلِّ ظروفٍ معيّنةٍ وبناءً على المعاييرِ الأخلاقيّةِ التي سادتْ في السّنواتِ القليلة الماضية، لذلك فإنّها تحكمُ على الأشياءِ في ضوءِ تلك المعايير. إذا تكوّنت كمياتٌ كبيرةٌ من هذه الكارما، فإنّ حياةَ الإنسانِ بأكملِها ستظلُّ تحت تأثيرِها. وما تعتبرُهُ هذه المفاهيمُ جيّداً أو سيّئاً، يَعتبرُه الإنسانُ أيضاً جيّداً أو سيّئاً، ويظنُّ أنّه ينبغي أنْ يتصرّفَ وفقاً لذلك. لكنّ ذاتَه الحقيقيّةَ لم تعُد موجودة، فقد حُجِبَتْ بالكاملِ، وطُمِسَت بالمفاهيم والنزعات غير الطيّبة التي تشكّلتْ بعد الولادة. ولم يعُد لديه المعيارُ الحقيقيُّ للتمييزِ بين الخيرِ والشرِّ. 

 

تتشكّلُ المفاهيمُ في أفكارِ الدماغ، والكارما الناتجة عن هذه المفاهيم تُكوّنُ كتلةً من الكارما فوقَ رأسِ الإنسان. ماذا عن الأفكارِ الخيّرة إذن؟ كانت مدرسةُ شاكياموني تعلّمُ أنّ أيَّ فكرةٍ تنشأ تُعدُّ كارما. في الواقع، ما يُسمّى "الأفكار الخيّرة" يُنظرُ إليه بشكلٍ مُختلفٍ إذا قيسَ بمعيارٍ أعلى، أو وِفقَ متطلّبات معايير جين-شان-رِن.

 

هذا يعني أنَّ الناسَ العاديّين الذين يعيشون في هذا العالمِ لا يُدركون ذاتَهم الحقيقيّة. فالمفاهيم لا تسيطرُ على الإنسانِ في حياةٍ واحدةٍ فحسب، بل تمتدُّ عبر حيواتٍ مُتعدّدة، إلى الأبد. ولا يُمكنُ التخلّصُ من هذه المفاهيم إلّا إذا حدثَ تغيّرٌ حقيقيّ؛ وإلّا فإنّها ستظلُّ تفرِضُ سيطرتَها على الإنسان. ومع ازديادِ قوّةِ المفاهيم تدريجيّاً، تختفي الذاتُ الحقيقيّةُ للإنسانِ فعلاً. يُقالُ اليومَ إنّ الكارما تتراكمُ طبقةً فوق أخرى، وقد بلغَ الناسُ بالفعلِ هذه الحالة. انظروا إلى الناسِ العاديّين، فهُم لا يعرفون بماذا يَقضون أيامَهم، ولا يُدركون من أجلِ ماذا يعيشون!

 

يختلفُ الناسُ في خلفيّاتهِم وقُدرتهِم على الاستنارة، وهذا يوضّحُ المبدأ الذي نتحدّثُ عنه. بعضُ الأشخاصِ قادرون على الاستنارة، أي إنّ طبيعةَ بوذا لديهم يُمكنُ أنْ تتجلّى، ولذلك يوجدُ أملٌ بالنّسبةِ لهم. أمّا الآخرون فلا يستنيرون، لأنّ طبيعتَهم الأصليّةَ تكونُ مدفونةً في الأفكارِ والمفاهيم التي اكتسبوها، وليس لهؤلاء أملٌ في هذه الحالة. 

 

 

في الطاو دون تعهّد الطاو

 

لقد سُمّيتْ مُمارسةُ التعهّدِ بهذا الاسمِ لأنّها تتّبعُ طريقةً مُحدّدةً للتعهّد، أي إنّ هناك مساراً يُمكنُ للمرءِ أنْ يسلكَه. كان في الماضي قولٌ مأثورٌ: "هذا الشخصُ لا يتعهّدُ الطاو، ومع ذلك فهو في الطاو." وعلى الرّغمِ من أنّه يتبعُ طُرقاً صغرى في التعهّد، إلّا أنّه يُطبّقُ مبدأَ "العدم" أو "الفراغ". يمضي في حياتِه باتّباعِ مسار القَدَرِ ويعيشُ في سلامٍ مع العالمِ قائلاً: "أعطني ما هو مقدَّر لي، وما لم يُقدّر لي فلا أريدُه." إنّه لا يتّبعُ الشكلَ التقليديَّ للتعهّد، ولا يعرفُ حتّى ما هو "التعهّد". ومع ذلك، هناك معلّمون يعتنون بأشخاصٍ كهؤلاء، وهُم نادراً ما يدخلون في نزاعاتٍ مع الآخرين. كان الناسُ يُسمّون ذلك: "في الطاو دون تعهّد الطاو." ورغم أنّ الناسَ العاديّين يُمكنُهم أيضاً بلوغُ حالةِ عدمِ السعي وراء الغايات، إلّا أنّ هذا النوعَ من الأشخاصِ لنْ ينالَ في النهايةِ مرتبةً سماويّة، ولنِ يحصلَ على الغونغ؛ يُمكنُه فقط أنْ يراكمَ قدْراً عظيماً من الفضيلة - فضيلة لا حدود لها. كثيرون سيحاولون إيذاءَه، لأنّه من الصعبِ جداً أنْ يكونَ المرءُ صالحاً. وكلّما اشتدّ عليه الأمر، ازدادتْ الفضيلةُ التي يُراكمها، غير أنّ هذا لا يعدو كونه تراكماً لكمٍّ كبيرٍ من الفضيلة. وإذا أرادَ أنْ يبدأ في المُمارسة، فإنّ تلك الفضيلةَ ستتحوّلُ تلقائيّاً إلى مقدارٍ عظيمٍ من الغونغ. أمّا إذا لم يرغب في مُمارسةِ التعهّد، فقد يُكافَأ في حياتِه القادمة بحظٍ سعيد، أو قد يُصبحُ مسؤولاً رفيع المستوى، أو يحصلُ على ثروةٍ طائلة. وبطبيعة الحال، فإنّ معظمَ أولئك الذين هُم "في الطاو دون أنْ يتعهّدوا الطاو" يمتلكون خلفيّاتٍ استثنائيّة، وهناك مَن يعتني بهم. رغم أنّهم لا يتعهّدون الطاو، إلّا أنّ أفكارَهم ومستواهم كلاهما يَقعان ضِمن الطاو، ولذلك سيعودون في النهايةِ إلى موطنِهم الأصليّ. إنّهم لا يتعهّدون الطاو، ومع ذلك يتعهّدون أنفسَهم حقاً؛ لذا سيكون هناك مَن يُحوِّلُ لهم الغونغ دون أنْ يعلَموا بذلك. حياتُهم مليئة بالمصاعب، يتحمّلون مُعاناةً جمّة ويُسدّدون الكارما التي راكموها. وخلالَ حياتِهم يرتفعُ مستوى الشينشينغ لديهم تدريجيّاً، ويظلّون دائماً على هذه الحال. هؤلاء الأشخاصُ جميعاً لديهم خلفيّات استثنائيّة، أمّا الإنسانُ العاديُّ فمِن الصعبِ عليه أنْ يُحقّقَ ذلك.

 

لقد تركَ كونفوشيوس للناسِ منهجاً للسلوك يليقُ بالبشر، وهو مبدأ "الطريق الأوسط". أمّا ما علّمه لاو تسي فهو طريقةٌ للتعهّد. ومع ذلك قامَ الصينيّون بدمجِ الأفكارِ الكونفوشيوسيّة مع أفكارِ المدرسةِ الطاويّة، ومنذ عهدِ أسرةِ سونغ بدأت الأفكارُ البوذيّةُ تتغلغلُ هي الأخرى في تلك المُعتقدات، ممّا أدّى إلى تغيّر الفكر البوذيّ تغيّراً جوهريّاً. وبعدَ عهدِ أسرةِ سونغ أُدرِجَتْ أشياءٌ من الكونفوشيوسيّة الصينيّة في البوذيّة، مثلُ احترامِ الوالدين وطاعتِهما وغير ذلك من الأمور المشابهة، مع أنّ النظامَ البوذيّ الأصليّ لا يشملُ شيئاً من هذا القبيل. في النظامِ البوذيّ يُنظَرُ إلى كلِّ شيءٍ في عالمِ البشرِ بخفّةٍ ودون تعلّقٍ؛ إذ يروْن أنّ البشرَ، على مدارِ حيواتِهم المختلفة، كان لديهم عددٌ لا يُحصى من الآباء والأمهات. لذا، عندما تتخلّى عن كلِّ هذه التعلّقاتِ وتتعهّدُ بعقلٍ هادئٍ ونقيّ، يُمكنك بلوغُ الكمال الروحيّ. فكلُّ هذه الأمورِ إنّما هي تعلّقات. لذلك، بعدَ اختلاطِ الفكرِ الكونفوشيوسيّ بالبوذيّة، ظهرتْ مسألةُ التعلّقِ بالعاطفةِ العائليّة.

 

 

قصة خلق الإنسان من الطين

 

يتواجدُ البشرُ في أدنى مستوى، وفوقه تَتوالى طبقاتٌ عديدةٌ من السّماوات. التاثاغاتا موجودٌ في هذا المستوى، ويسوع ولاو تسي ينتميان أيضاً إلى مستوى التاثاغاتا. ما استطاعوا رؤيتَه اقتصرَ على هذا المستوى وما دونه، أمّا ما كان فوقَ مستواهم فلم يُدركوا منه إلّا القليل، وما هو أعلى من ذلك بكثيرٍ كان خارجَ نطاقِ معرفتِهم، لأنّ مستوياتهم هي التي تُحدِّدُ مقدارَ الحكمةِ التي يمتلكونها. 

 

أمّا بالنسبةِ لفكرةِ خَلْقِ الإنسانِ من الطين التي كان يسوع يُعلّمُها، فقد صاغَها بالكلماتِ التي أوحاها إليه الكائنُ الذي كان يعتقدُه ربَّ السماء، وهي: "خَلَقَ الله الإنسانَ من الطين". هل كان يقصِدُ الطينَ المعروفَ لدى الناسِ العاديّين؟ لا، لم يكُن المقصودُ الطين الذي يعرفُه الناسُ العاديّون. في الأبعادِ العُليا، كلُّ الموادّ، بما فيها الطين، هي موادّ طاقيّةٌ عُليا دقيقةٌ للغاية. أمّا البشرُ الذين تحدّثَ عنهم، فمتى خُلِقوا؟ هل كان ذلك قبلَ أنْ تدخُلَ الأرضُ مرحلةَ الحضارة، أم في وقتٍ آخر؟ في الحقيقة، هذا القولُ متداولٌ في الأساطيرِ منذُ قديمِ الزمان، إذ قيلَ للناس: "خَلَقَ الله الإنسانَ من الطين."

 

لكنْ في الواقع، لم يكُن الطينُ الذي أشارَ إليه يسوع ينتمي إلى هذا البُعدِ البشريّ. فذلك الطينُ في تلك الأبعادِ حيٌّ ويملكُ نوعاً من الذكاءِ والوعي، أمّا الأشياءُ التي تُشكّلُ تلك الأبعاد، فإذا نُقِلَتْ إلى هذا البُعد، أصبحت أشبه بالغونغ. كان المقصودُ بذلك أنّ الإنسانَ خُلِقَ هناك. الكائناتُ السماويّةُ تمتلكُ جلداً أنعمَ وأرقَّ من جلدِنا في هذا البُعد، لأنّ خلاياهم لا تتكوّنُ من الطبقةِ الماديّةِ نفسِها التي تتكوّنُ منها خلايانا؛ خلاياهُم مؤلّفةٌ من موادّ أدقّ وأصغر. وعندما أُنزِلوا إلى هذا البُعدِ البشريّ، تبيّنَ أنّهم يُشبهون البشرَ تماماً، إلّا أنّ مَظهرَهم كان جميلاً جداً ودقيقاً ورقيقاً بشكلٍ خاصّ. وهذا يعني أنّه كان لا بُدَّ من إضافةِ طبقةٍ من الخلايا الماديّةِ إلى الجسمِ البشريّ، وهكذا اتّخذَ البشرُ المظهرَ الذي هُم عليه اليوم.

 

يمتلِكُ أهلُ السّماءِ أجساداً أيضاً، ويَبدون بمظهرٍ بشريٍّ عندما يأتون إلى هذا البُعد. وقد دُفِنَتْ أجسادُ بعض هؤلاء الكائناتِ السماويّةِ بعدَ وفاتِهم تحتَ الجبالِ الشاهقةِ في الصين. إنّهم يُشبهوننا نحنُ البشر تماماً، على عكسِ ما وردَ في السوطرا. عندما كان يسوع في هذا العالم، لم يتركْ للناسِ أيَّ كتبٍ مُقدّسة، بل إنّ تلاميذه من بعده هُم مَن دوّنوها بما يتلاءمُ مع ظروفِهم وعصرِهم. وبالمثل، لم يتركْ بوذا شاكياموني وراءه أيَّ سوطرا، وإنّما كتبَها أتباعُه بعدَ وفاتِه. ومع ذلك، لم يَفهمْ هؤلاء المعنى الأصليَّ لِما قالَه بوذا شاكياموني، ولا لأيِّ فئةٍ من الناسِ كانت هذه الأقوالُ موجّهة، ولا السياقَ التاريخيَّ لتلك الأحداث.

 

لقد قالَ يسوع إنّ الإنسانَ خُلِقَ من طين، الأمرُ الذي حيّرَ الناسَ العاديّين، إذ إنّ أجسادَهم لا تبدو مكوّنةً من الطين. ولهذا يُقالُ إنّ الطين في المستوياتِ العُليا جداً أرقى وأفضلَ من المادّةِ التي يتكوّنُ منها جسدُنا الماديّ. فكلّما ارتفعَ المستوى، ازدادتْ جودةُ المادّة.

 

منذُ زمنٍ بعيدٍ جداً، حينَ لم يكُن هناك بشرٌ في المستوياتِ الدنيا، خَلَقَتْ الكائناتُ العُليا الإنسانَ في أبعادٍ أخرى. وما إنْ أقول إنّ شيئاً ما يجبُ أنْ يتشكّلَّ في ذلك البُعد حتّى يتشكّلَ على الفور. أستطيعُ أيضاً أنْ أخلِقَ أيَّ شيءٍ كيفما أشاء، فيتجلّى حالما أفكّرُ فيه، وحتّى إذا رسمتُه في الهواء فإنّه يتشكّلُ مُباشرة، لكنّ ذلك يحدُثُ في الأبعادِ الأخرى. هذا يعني أنّ خلْقَ العالمِ، أو خلْقَ إحدى طبقاتِ السّماءِ كما ذُكِرَ سابقاً، أو خلْق الكونِ كما وردَ في السوطرا البوذيّة، كلُّها تمثّلُ تجلّيّاتٍ لقُدراتِ البوذا. ويُقصَدُ بذلك أنّ البوذا يَعتبرُ الكارما الجيّدة، والكارما الحسنة، والكارما السيّئة على أنّها كارما. وكلُّ هذه الأمورِهي من خَلْقِ البوذا.

 

البوذا الذين يَمتلكون قدراتٍ عاليةٍ جداً يستطيعون بالفعلِ خلْقَ طبقةٍ من السّماءِ في لحظة، وكلّما ارتفعَ مستوى البوذا كان العالمُ الذي يخلِقُه أجمل. والأكثرُ من ذلك أنّه لا يحتاجُ إلى استخدامِ يديه، فمجرّد أنْ يَفتحَ فمَه ويقولُ ما يشاء يتحقّقُ ذلك فوراً. أمّا البوذا الأعلى مستوى فتكفيهِ فكرةٌ واحدةٌ فقط؛ بمجرّدِ أنْ تخطُرَ له فكرة تتحقّقُ على الفور. ولهذا السبب فإنّ البوذا الذين تتجاوزُ مستوياتُهم مستوى التاثاغاتا لا يتدخّلون في شؤونِ البشر، إذ إنّ مجرّدَ فكرةٍ واحدةٍ مِنهم تكفي لتغييرِ الأمورِ على الأرض فوراً. أمّا التاثاغاتا فهُم أيضاً لا يتدخّلون مباشرةً في شؤونِ البشر، بل يقدّمون الإرشادَ فقط، بينما البوديساتفا هنّ اللواتي يقُمْنَ بتنفيذِ الأمورِ على أرضِ الواقع.

 

 

محدوديّة العِلم الحديث وعظمة وعُمق "فا بوذا"

 

حتّى من خلال الدارما التي علّمها بوذا شاكياموني تمكّنَ البشرُ من إدراكِ عظمةِ "فا بوذا". ومع ذلك، فإنّ الـ"فا" هائلةٌ حقاً. من منظورِ مستوى بوذا شاكياموني، فإنّ ما علّمَه كان يُمثّلُ الـ"فا" على مستوى التاثاغاتا، ومع هذا بدا للناسِ العاديّين مستوىً عالياً جداً. في الماضي، لم يكُن يُطلَقُ لقبُ "بوذا" إلّا على التاثاغاتا، أمّا البوديساتفا والأرهات، فلم يكُن يُطلَقُ عليهم هذا الاسم، لأنهم لم يبلغوا مستوى البوذا بعْد. لذا كلّما ذُكِرَ "البوذا" في ذلك الزّمان كان المقصودُ به التاثاغاتا. ومع ذلك، فإنّ مستوى التاثاغاتا ليس أعلى مرتبةٍ في الكون، بل يُعدُّ أدنى مستوياتِ البوذا، ومن بين البوذا، وحدَهم أولئك الذين في أدنى المستوياتِ يستطيعون الاهتمامَ بشؤونِ البشر. أمّا البوذا الذين هُم في مستوياتٍ عاليةٍ جداً فلا يهتمّون بشؤون البشر، لأنّه بمجرّدِ أنْ يفتحوا أفواهَهم قد تطرأ تغييراتٌ كُبرى على الأرض. كيف يُمكنُ السماحُ بحدوثِ ذلك؟ لذا لا يُمكنُهم التدخّل ولو بأدنى قدْر. ولهذا فإنّ التاثاغاتا وحدَه هو الذي يُعنى بالشؤونِ البشريّة، لكنّه لا يتولّى الأمورَ مباشرة، إذ إنّ البوديساتفا هنّ في الواقعِ اللواتي يَقُمْنَ بالأعمالِ التي تهدفُ إلى تخليصِ الناس. ولهذا فإنّ بلوغَ مستوى التاثاغاتا يُعدُّ أمراً استثنائيّاً بحدِّ ذاتِه.

 

على المستوى المجهريِّ يستطيعُ التاثاغاتا رؤيةَ ثلاثةِ آلافِ عالمِ داخلَ حبّةِ رملٍ واحدة. تحدّثَ بوذا شاكياموني عن نظريّةِ العوالمِ الثلاثة آلاف، حيثُ قالَ إنّ مجرّةَ دربِ التّبانةِ تحتوي على ثلاثةِ آلافِ كوكبٍ شبيهة بكوكبِ البشر، تعيشُ فيها كائناتٌ مُماثلةٌ للإنسان. في الحقيقة عددُها لا يقتصرُ على ثلاثةِ آلاف فقط. كما أشارَ أيضاً إلى أنّ حبّةَ الرّملِ الواحدةِ تحتوي على ثلاثةِ آلافِ عالمِ عظيمٍ، أي إنّ كلَّ حبةٍ من الرّملِ تضمُّ ثلاثةَ آلافِ عالمٍ يُشبه عالمَ البشر، وهو أمرٌ يَصعُبُ على الإنسانِ استيعابُه. عندَ فتحِ العينِ السماويّة، يستطيعُ المرءُ رؤيةَ الأشياءِ على نطاقٍ مُكبّر، كما يُمكنُه رؤيةُ أشياءَ بالغة الدقّة على المستوى المجهريّ. لكنْ فكّروا في الأمر: توجدُ ثلاثةُ آلافِ عالمٍ عظيمٍ في حبّةِ رملٍ واحدة. إذن، ألا تحتوي هذه العوالمُ الثلاثةُ آلافُ على بحارٍ وأنهار؟ وألا توجدُ ثلاثةُ آلافِ عالمٍ أخرى داخلَ رمالِ تلك الأنهار؟ لهذا لم يستطعْ بوذا شاكياموني رؤيةَ أصلِ المادّة، وقال: "صغيرٌ لا حدودَ له نحو الداخل"، أي إنّه صغيرٌ إلى حدٍّ يستحيلُ معه رؤيةُ أصلِ المادّة.

 

ما تستطيعُ الفيزياءُ الحديثةُ اكتشافَه هو أنّ الجزيئات تتكوّنُ من ذرّات، وأنّ الذرّات تتكوّنُ من نوى ذريّة وإلكترونات. وعلى المستوى المجهريّ الأكثر دقّة، توجدُ الكواركات والنيوترينوات، هذا هو الحدُّ الأقصى لما يُمكنُ الوصولُ إليه حاليّاً. إذن، ما هو أصلُ المادّةِ على المستوى الأكثرِ مجهريّة؟ حتّى المجهرُ لا يستطيعُ رصْدَ الكواركات أو النيوترينوات، ولا يُمكنُ التعرّفُ على وجودِها إلّا باستخدامِ أدواتٍ أكثر تقدّماً. أمّا ما هو أدقُّ من ذلك، فلا تزالُ تكنولوجيا البشرِ قاصرةً إلى حدٍّ كبير. وفي نطاقِ الأشياء الكبيرة، يعتقدُ الإنسانُ أنّ الكواكبَ هي أكبرُ الأجسام، لكنّ بوذا شاكياموني لم ينظرْ إلى الأمرِ بهذه الطريقة. ما رآه بوذا شاكياموني كان في الواقعِ واسعاً جداً، وقد أدركَ أنّ الكواكب ليست أكبر الأجرام. وعندما واصلَ النظرَ في مجالِ الأشياءِ الكبيرة، لم يجدْ له حدّاً أيضاً. وفي النهايةِ قال: "كبيرٌ لا حدودَ له نحو الخارج، وصغيرٌ لا حدودَ له نحو الداخل"؛ أي إنَّه كبيرٌ إلى ما لا نهاية، وصغيرٌ جداً بحيث لا يُمكنُ رؤيةُ أصلِه.

 

إنّ الكائنات معقّدةٌ جداً، وكذلك بنيةُ الكونِ معقّدةٌ للغاية. لقد بلغَ تطوّرُ معرفةِ الإنسانِ اليومَ ذروتَه. ومع وصولِ المعرفةِ إلى الحدِّ الأقصى، أصبحتْ في حدِّ ذاتِها عائقاً يَحدُّ من تطوّرِ العلومِ البشريّة. فعلى سبيلِ المثال، وَضعَ العديدُ من العلماءِ البارعين تعريفاتٍ في مجالاتِ الفيزياءِ والكيمياء، وما يقعُ ضمنَ هذه التعريفاتِ يُعَدُّ صحيحاً ويُمكنُ الاعتمادُ عليه في بناءِ المعرفة. لكنْ في المستوياتِ المختلفةِ توجدُ مبادئُ وحقائقُ مختلفةٌ، وإذا تجاوزتُم هذه التعريفات ستدركون أنّها في الواقعِ تُقيّدُ الإنسانَ وتحدُّ من إمكانياتِه.

 

الأمرُ نفسُه ينطبِقُ على العلمِ الحديث. فقد وَضعَ البعضُ تعريفاً مُحدّداً للعلم، وبموجبِه لا يُعَدُّ أيُّ شيءٍ "علميّاً" ما لم يتوافقْ مع ذلك التعريف. فإذا بقيتُم ضمنَ حدودِه ستظنّون أنّ هذا هو العلمُ نفسه؛ أمّا إذا تجاوزتُم هذه الحدود فستدركون أنّها في الحقيقةِ تُقيِّدُ تطوّرَ البشريّة. إنّهم لا يعترفون بما لا يُمكنُ لمسُه أو رؤيتُه، ولذلك فإنّ القيودَ التي يفرضُها هذا التعريفُ صارمةٌ جداً. إنّ البوذا والآلهة والطاو الذين نتحدّثُ عنهم موجودون في أبعادٍ أخرى، ولا يستطيعُ الإنسانُ لمسَهم أو رؤيتَهم. إذا تمّ اكتشافُهم بالوسائل أو الأبحاثِ العلميّة الرّاهنة، فهل يُعَدُّ ذلك علماً أم لا؟ نعم، إنّه علم! لكنْ في الغرب تمّ وضعُ تعريفٍ مُحدّدٍ للعلم، وكلُّ ما يَعجزُ العلمُ الحديثُ عن تفسيرِه يُنسَبُ على الفورِ إلى اللاهوتِ أو الدين، ولا يجرؤ العلمُ الحديث على الإقرارِ بوجودِ مثلِ هذه الأمور.

 

لقد بلغَ العلمُ في الغربِ أقصى حدودِه. ترى المدرسةُ البوذيّةُ أنّ كلَّ شيءٍ يمرُّ بمراحل: التكوين، والاستقرار، والتدهور. التكوينُ يعني النشأة، والاستقرارُ يعني البقاءَ في حالةٍ ثابتةٍ لفترةٍ من الزّمن. ووفقاً للإطارِ والتعريفاتِ التي وَضعَها العلمُ الأوروبيّ، لا يستطيعُ هذا الأخيرُ تجاوزَ حدودِه، وأيُّ اكتشافٍ جديدٍ لا يندرجُ ضمنَ هذا الإطارِ يُنسَبُ حتماً إلى الدينِ أو اللاهوت. ولكنْ إذا تمّ اكتشافُ أمورٍ لم تُثبَتْ بعْد في المجالِ العلميّ، سواء عبرَ العلومِ والتكنولوجيا الحديثةِ للبشر، أو عبرَ دراسةِ أشياء غير مرئيةٍ وغير ملموسة بأسلوبٍ علميّ، أفلا يُعدّ ذلك علماً أيضاً؟ إنّ المشكلةَ تكمُنُ في أنّ مفهومَ العلمِ قد تمّ تحديدُه منذُ زمنٍ بعيد، وأيُّ شيءٍ يتجاوزُ حدودَه يُرفَضُ رفضاً قاطعاً، ولهذا السببِ لا يستطيعُ العلمُ أنْ يتقدّمَ أبعدَ من ذلك. 

 

كما أنّ بعضَ العلماءِ الذين حقّقوا نجاحاتٍ في مجالاتٍ مُعيّنةٍ وضعوا العديدَ من التعريفات. فقد كان كلٌّ من نيوتن وأينشتاين ناجحين جداً بين الناسِ العاديّين، وكان أفُقُهما واسعاً جداً مقارنةً بغيرِهما. إنّ التعريفاتِ والمعارفَ التي تركاها تُعدُّ كنزاً ثميناً من المعرفة. ومع ذلك، ضمنَ نطاقِ هذا الكنزِ المعرفيّ، يسيرُ كلُّ شيءٍ وِفقَ قوانين مُحدّدة، مَهما حاولَ المرءُ البحثَ أو فهمَ الأمور. وإذا ظلَّ الباحثون مُلتزمين بما تركَه هؤلاء العلماء وعَمِلوا ضِمنَ إطاره، فلنْ يتمكّنوا أبداً من التفوّقِ عليهم أو تحقيقِ إنجازاتٍ جديدة.

 

إذا تجاوزَ اكتشافٌ أو اختراعٌ ما نطاقَ التعريفاتِ السابقة، يُدرِكُ الإنسانُ أنّ تلك التعريفاتِ كانت تُقيّدُ البشرَ بالفعل؛ ففي المستوياتِ العُليا توجدُ حقائقُ ومبادئُ أسمى، تماماً كما هو الحالُ في فهمِنا للمادّة. في الماضي كان يُعتقَدُ أنّ أصغرَ الجسيماتِ التي تكوّنُ المادّةَ هي النّوى الذريّة، أمّا اليوم فلم يعُد هذا الاعتقادُ سائداً، إذ تمّ اكتشافُ الكواركات والنيوترينوات. والمهمُّ هنا أنّ البشرَ يواصلون تعميقَ فهمِهم لهذه الأمورِ باستمرار، إلّا أنّ كلَّ تعريفٍ جديدٍ أو اكتشافٍ لاحقٍ يتحوّلُ بدورِه إلى قيدٍ إضافيٍّ على المعرفة. هذا هو الحال؛ فالحقيقةُ أنّ التعريفاتِ غالباً ما تقيّدُ الإنسان.

 

لم يكُن أينشتاين إنساناً عادياً، فقد أدركَ أنّ ما علّمَته الأديان، بل وحتّى اللاهوت، هو الحقُّ بعينِه. إنّ فهمَ الإنسانِ للعالمِ المادّيِ يظلُّ محصوراً في نطاقِ معرفتِه البشريّة، تماماً كما هو الحالُ في التعريفاتِ التي يقدّمُها العلمُ الحديث. ومع مزيدٍ من البحثِ والتقدّم قد يكتشفُ الإنسانُ أنّ ما جاءتْ به الأديانُ هو الصّواب. فالكائناتُ الحيّةُ الموجودةُ في مستوياتٍ أعلى، والتي تفوقُ البشرَ بمستوى واحد، تمتلكُ علماً وتقنيّاتٍ أرقى، ومعرفتُها بالعالمِ من خلال هذه العلومِ والتقنياتِ تتجاوزُ بلا شكٍّ فهمَ الناسِ العاديّين. إذن، لقد بلغَ أينشتاين بالفعلِ ذروةَ المعرفةِ العلميّةِ والتقنيّةِ لدى البشر، ومع مواصلةِ البحثِ وَجَدَ أنّ ما تعلّمه الأديان صحيح تماماً. وفي العصرِ الحديث، انتهى المطافُ بالعديدِ من العلماءِ والفلاسفةِ إلى الإيمانِ بالدين، وجميعُهم ممّن حقّقوا إنجازاتٍ عظيمة. أمّا أولئك الذين ظلّوا رهينةَ قيودِ العلمِ المعاصر، وابتُلوا بإيمانٍ أعمى به، فإنّهم يرفضون رفضاً قاطعاً كلَّ ما يتجاوزُ حدودَه، ويصِفونه بـ"العلم الزائف".

 

 

كلّ الـ"فا" تعود إلى أصلٍ واحدٍ

 

"كلّ الـ"فا" تعود إلى أصلٍ واحدٍ" هي عبارةٌ كانت تُقالُ داخلَ مدارس التعهّدِ نفسِها. في النظامِ الطاويّ كان يُقالُ إنّ هناك ثلاثةَ آلافٍ وستّمئةِ طريقة للمُمارسة، ويمكنُ من خلالِ كلٍّ منها بلوغُ الطاو، بينما في النظامِ البوذيّ كانوا يتحدّثون عن أربعةٍ وثمانين ألفَ طريقةٍ يُمكنُ للمرءِ من خلالِها أنْ يتعهّدَ ليُصبحَ بوذا. أما الادّعاء بأنّه يُمكنُ ممارسةُ عدّةِ دياناتٍ تحت سقفٍ واحد، فليس هذا هو المقصودُ بتلك العبارة. كيف للبشرِ أنْ يَعلموا شؤونَ السماء؟ إنّ هذا مجرّدُ كلامٍ اعتباطيٍّ لا أكثر.

 

في الصين القديمة كانت هناك طائفةٌ تُعرَفُ باسمِ "طريق التّوحيد" (ييغوان طاو)، وقد ظهرتْ في أواخرِ عهدِ أسرةِ تشينغ. كانت تدعو إلى "خمس ديانات تحت سقف واحد"، وكانت تُعَدُّ ديانةً هرطقيّة. منذُ ظهورِها سعى الناسُ لمكافحتِها، وقد قضى عليها إمبراطور أسرةِ تشينغ. وفي بداياتِ عهدِ جمهوريّةِ الصين، قضتْ عليها أيضاً حكومةُ الكومينتانغ، وقُتِلَ أتباعُها بأعدادٍ كبيرة. وبعدَ أنْ استلمَ الحزبُ الشيوعيُّ الحُكمَ، قَتَل بدورِه أتباعَ "ييغوان طاو" على نطاقٍ واسع. لماذا حدثَ ذلك؟ لا شيء في مجتمعِ الناسِ العاديّين يَحدُثُ بمحضِ الصدفة؛ فالتاريخُ يتطوّرُ تبعاً للظواهر السماويّة. ولذلك لا يُمكنُ لأيِّ فعلٍ يظهرُ في مجتمعِ الناسِ العاديّين أنْ يكونَ ناتجاً عن فكرة عابرة من هذا الشخصِ أو ذاك. بعبارةٍ أخرى، لم يكُن الناسُ العاديّون هُم مَن أرادوا سحقَ تلك الطائفة، بل كانت تلك إرادة السماء؛ إذ أرادتْ الكائناتُ العليا تدميرَها ولم تسمحْ لها بالوجود. أمّا الدعوةُ إلى "دمج الأديان الخمسة" فهي تقويضٌ خطير للـ"فا"، وتُعدّ مظهراً من مظاهرِ عملِ الشياطين بين البشر.

 

حتّى الإلهُ السماويُّ البدئيُّ وبوذا شاكياموني لم يجرؤا على القولِ إنّه يُمكنُ توحيدُ النظامِ البوذيِّ والنظامِ الطاويِّ وجمعُهما تحتَ سقفٍ واحدٍ، فكيف يُمكنُ أنْ يحدثَ ذلك! حتّى داخلَ البوذيّةِ نفسِها، كانوا يتحدّثون عن " ما مِن مدرستين للتعهّد". على سبيلِ المثال، أولئك الذين يتعهّدون في مدرسةِ الأرض النقيّة لا يُمكنُهم مُمارسةُ بوذيّةِ الزّن، والعكسُ صحيح. وكذلك الذين يتعهّدون في مدرسةِ الزّن لا يُمكنُهم التعهّدُ في مدرسةِ تيانتاي أو مدرسة هوايان. لا يجوزُ لك دمجُ أشياءَ أخرى في مدرستِك أثناءَ مُمارسةِ التعهّد. لماذا؟ لأنّ عمليّةَ تحويلِ الغونغ معقّدةٌ للغاية. ليس لديك سوى جسدٍ واحد، وأنت أشبهُ بمادّةٍ خامٍّ تُوضَعُ في هذه الآلة، حيث يتحوّلُ الغونغ لديك من خلالِها. يجبُ ترتيبُ كلّ شيءٍ بدقّةٍ تامّة: طريقة تخليصِكم، خطوات كلِّ مرحلة، كيفيّة تحوّلِ الغونغ، وما إلى ذلك. أمّا إذا استُخدِمَ جهازٌ مختلفٌ في منتصفِ هذه العمليّة، فماذا ستكونُ النتيجة؟ هل يُمكنُكم الاستمرارُ في التعهّد؟ ستكونُ النتيجةُ فوضى عارمة، وستتحوّلون إلى كومةٍ من الخُردة.

 

كثيرٌ من الناسِ فشِلوا في التقدّمِ في تعهّدِهم بسببِ المُمارسةِ العشوائيّةِ وغيرِ المسؤولة. المعنى الحقيقيُّ لمقولةِ بوذا شاكياموني "ما مِن مدرستين للتعهّد"، هو أنّه لا ينبغي للمرءِ أنْ يخلِطَ بين مدارس التعهّد. لقد أُسيءَ فَهم هذه المقولة لاحقاً وتمّ تفسيرُها بشكلٍ خاطئ، لكنْ لا يجوزُ أبداً دمجُ المُمارساتِ أو خلطُها. كما تحدّثَ أتباعُ "ييغوان طاو" عن توحيدِ الدياناتِ الخمس، وهو أمرٌ لا تَسمَحُ به قوانينُ السماء على الإطلاق. ومع ذلك، عادتْ تلك الطائفةُ للظهورِ مُجدّداً في تايوان. في نهايةِ عصرِ الـ"فا"، لم يعُد أحدٌ يتدخّل، لأنّه لم يعُد هناك مَن يُعنى بشؤونِ البشرِ في هذه المرحلة. لقد أصبحَ الإنسانُ أسوأ من أيِّ وقتٍ مضى، لذلك لم تعُد الكائناتُ الإلهيّة تهتمُّ بشؤونِ البشر ولا تقومُ بتخليصِهم. كثيرٌ من الذين يؤمنون بالبوذا ويقدّسونه لا يلتزمون بالتعهّدِ بجديّة، وإنّما يسعوْن وراء الثروةِ ويُريدون تجنّبَ الصّعوبات. لقد وصلَ الوضعُ إلى هذا الحدِّ من السوء.

 

ومع ذلك، لا يزالُ الناسُ يظنّون أنّ ما يعلّمُه "طريق التّوحيد" منطقيّ. في الحقيقة، إنّ الأفكارَ التي تدورُ في ذهنِ المُمارس، بما في ذلك أولئك الذين يؤمنون بالأديان، تُعَدُّ حاسمةً للغاية. فبعضُ طُرُقِ التعهّدِ تعتمدُ بالكاملِ على الإيمان، إذ لا توجدُ فيها وسائل أخرى. لذلك، إذا سَمَحْتَ لأفكارٍ أخرى أنْ تختلِطَ في عقلِك، فإنّ كلَّ ما تُنمّيه في تعهّدِك سيَختلُّ ويتشوّش. في جوهرِها، لا تتضمّنُ هذه المُمارساتُ أيَّ حركاتٍ جسديّة. إضافةً إلى ذلك، تنتشرُ الشياطينُ الآن في عالمِ البشرِ لإفسادِهم. أليس لدى البشرِ جميعاً أفكارٌ رحيمة؟ إنّ ما تسعى الشياطينُ إلى تدميرِه تحديداً هو هذه الأفكار الرّحيمة، كي لا تتمكّنوا من إتمامِ تعهّدِكم بنجاح.

 

 

تطرّف بوذيّة الزن

 

ينقسمُ الناسُ إلى عدّةِ أنماط: مِنهم المُتطرّفون، ومِنهم مَن يَسلكون الطريقَ الأوسط. ومنذُ البدايةِ كانت بوذيّةُ الزن تتّسمُ بالتطرّف، ولم تكُن تُعَدُّ نظاماً أصيلاً للتعهّد، كما كانت طريقةُ التعهّدِ فيها موضعَ جدلٍ على الدوام. ورغمَ أنّ الناسَ كانوا يتعهّدون وفقَ منهجِ مدرسةِ الزنّ، فإنّهم كانوا في الحقيقةِ تحت رعايةِ بوذا شاكياموني، إذ كان في قلوبِهم توقٌ إلى التعهّدِ وبلوغِ مرتبةِ البوذا والسعيِ نحو الخير. إنّ مدرسةَ الزن بحدِّ ذاتِها لا تشكّلُ نظاماً مستقلاً للتعهّد، ولم يكُن لدى بودهيدارما مملكةٌ سماويّةٌ خاصّة به، كما لم يكُن قادراً على تخليصِ البشر. في زمن بودهيدارما كان بوذا شاكياموني لا يزالُ يُعَدُّ المعلّمَ الأوّل. وعلى الرّغمِ من أنّ بودهيدارما كان يُعَدُّ بطريركَ مدرسةِ الزنّ، فإنّه في الحقيقةِ ظلَّ تلميذاً لبوذا شاكياموني، وكان من الجيلِ الثامنِ والعشرين من تلاميذه، كما كان يُجِلُّ بوذا شاكياموني كثيراً. واستناداً إلى نظريّاتِ بوذا شاكياموني، ركّزَ بودهيدارما على مبدأ "العدم"، غير أنّه لم يخرج في نهايةِ المطاف عن إطارِ تعاليمِ البوذيّة. لكنْ مع مرورِ الزّمن، أخذتْ مدرسةُ الزنّ تنحدرُ أكثرَ فأكثر. فقد اعتبرَ الخلَفُ من الأجيالِ اللاحقةِ أنّ تعاليمَ بودهيدارما تُشكّلُ مدرسةً مستقلّة قائمة بذاتِها، بل ورأوها أعلى المدارس شأناً، مع أنّها لم تكُن كذلك. وهكذا أخذتْ بوذيّةُ الزن تتراجعُ جيلاً بعدَ جيل، حتّى إنّ بودهيدارما نفسَه قال إنّها لن تستمرَّ إلا ستّةَ أجيال.

 

لقد أولى بودهيدارما أهميّةً كبيرةً لمبدأ "العدم" الذي علّمَه بوذا شاكياموني، وكان يُجِلُّ ويُقدّرُ بوذا شاكياموني تقديراً عظيماً، وكان يُعَّدُ تلميذَه من الجيلِ الثامنِ والعشرين. لكنّ الأجيالَ اللاحقة انغمسَتْ تماماً في التطرّف، وبذلك بدأتْ مرحلةُ الانحطاطِ، حيث أصبحَ الناسُ ينظرون إلى بودهيدارما وشاكياموني على قدمِ المُساواة. فشرعوا في تقديسِ بودهيدارما واعتبروا نظريّاته المبدأ الوحيد للبوذية، مع أنّ ذلك كان في الواقع انحرافاً عن الطريق. 

 

ذلك لأنّ بودهيدارما كان قد تعهّدَ على مستوىً متدنٍّ، ولم يبلغْ سوى مرتبةِ أرهات، أي أنّه لم يكُن أكثر من أرهات. فماذا كان يُمكنُه أنْ يعرفَ حقّاً؟ لقد عجِزَ في النهايةِ عن بلوغِ مستوى التاثاغاتا، وكانت الفجوةُ بين مستواه ومستوى بوذا شاكياموني هائلة! ولهذا تظلُّ تعاليمُه أقربَ إلى فلسفاتِ الناسِ العاديّين، كم أنّ نظرياته هي الأسهلُ عليهم قبولاً، لا سيّما أولئك الذين يَنظرون إلى الدينِ بوصفِه مجرّدَ فلسفةٍ أو شكلاً من أشكالِ السياسة أو نوعاً من المعرفة، أو الذين يتناولون البوذيّة بمنهجٍ أكاديميّ،َ فيدرسونها كفكرٍ فلسفيٍّ أو دينيٍّ، إذ يجدون في نظرياتِه ما يُشبه الفلسفةَ المألوفة لديهم.

 

مَهما ارتفعَ المستوى، هناك دائماً بوذا. ومع ذلك، ووفقاً لمدرسةِ الزن، فإنّك تتعهّدُ وتتعهّد، وفي النهاية لا يبقى شيءٌ على الإطلاق. وفي تعهّدِهم لا يعترفون حتّى بوجودِ البشر؛ فالبشرُ الأحياءُ يقِفون أمامَ أعينِهم، ومع ذلك لا يَعتبرونهم حقيقيّين. إنّهم في هذا أسوأ من الناسِ العاديّين ضعيفي الاستنارة، الذين يقولون: "لنْ أؤمنَ إلّا بما أراه بعيني". بل إنّهم لا يُقرّون حتّى بما يرونه أمامهم. فما جدوى العيشِ إذن؟ وما الجدوى من فتحِ الأعين؟ فليُغمضوا أعينَهم؛ لا حاجةَ إلى الاستلقاءِ ولا إلى الوقوف… إذ إنّه في نظرِهم لا شيء موجود، أليس كذلك؟ لقد بلغوا أقصى حدودِ التطرّف. لقد قالَ بودهيدارما إنّ الدارما التي علّمَها لنْ تستمرَّ أكثرَ من ستّةِ أجيال، ومع ذلك لا يزالُ الناسُ اليوم مُتمسّكين بتلك العقيدةِ التي لم تكُن صالحةَ في الأصل، وهو أمرٌ مثيرٌ للسخريّة. لقد أدخلوا أنفسَهم في طريقٍ مسدود: لا يعترفون بأنفسِهم، ولا يعترفون ببوذا شاكياموني، ولا يعترفون بكوكبِ الأرض. وإذا كانوا لا يَعترفون حتّى بوجودهم هُم أنفسهم، فما جدوى أنْ يكونَ لهُم اسم؟ وما الجدوى من أنْ يأكلوا الطعام؟ يُمكنُهم أنْ يظلّوا طوالَ اليوم جائعين، دون حاجةٍ إلى معرفةِ الوقتِ أو الاستماعِ إلى الأصوات ...

 

وفي النهاية، فإنّ كلَّ شيءٍ يزول. أليس في ذلك تشويهٌ لبوذا شاكياموني؟ إذا لم يكُن بوذا شاكياموني قد علّمَ شيئاً، فماذا كان يفعلُ طوالَ تسعةٍ وأربعين عاماً؟ هل تُدركون المعنى الحقيقي لـ"الفراغ" في تعاليمه؟ إنّ القولَ بأنّ بوذا شاكياموني لم يترك وراءه أيَّ دارما لا يعني أنّه لم يبيّن طرُقَ التعهّدِ أو أنّه لم يشرح "فا" الكون. الأمورُ التي تحدّثَ عنها كانت على مستوى تعهّدِه الشخصيّ، وما تركَه للناسِ كان الـ"فا" على مستوى التاثاغاتا، ولا سيّما تجارب التعهّد والدروس المستخلَصة منه. إنّ الدارما الحقيقيّة التي علّمَها شاكياموني أثناءَ وجودِه في هذا العالمِ كانت الوصايا، كما تحدّثَ أيضاً عن بعض الحقائقِ والإدراكاتِ على مستوياتٍ مختلفة، والتي تُمثّلُ بدورِها طبقةً من الـ"فا". غير أنّ بوذا شاكياموني لم يكُن يريد أنْ يُقيّدَ الناسَ بمستواه، ولذلك قال: "لم أعلّمْ أيَّ دارما في حياتي"، لأنّه كان يعلَمُ أنّ الدارما التي علّمَها لم تكُن الأعلى. التاثاغاتا هو بوذا، لكنّه ليس البوذا على أعلى مستوى. "فا بوذا" لا حدودَ لها، ولا ينبغي أنْ يُقيَّد المُمارسون بالدارما التي تركَها. أولئك الذين يمتلكون جودةً فطريّةً عالية يمكنُهم التعهّدُ والوصولُ إلى مستوياتٍ أعلى، حيثُ تتجلّى حقائقُ أعمقُ وأسمى للـ"فا". 

 

 

المستويات في مسار التعهّد

 

قد يتمكّنُ بعضُ الأشخاصِ أثناءَ ممارسةِ التعهّدِ من معرفةِ المستوى الذي بلغوه، غير أنّ هذا ليس أمراً يجبُ على المُمارسين معرفتُه بالضرورة. معظمُ المُمارسين لا يعرفون مستوى تعهّدِهم إلّا بعدَ بلوغِهم الاستنارة، أو بعدَ ارتقائِهم إلى المستوياتِ العُليا التي تتجاوزُ "فا العوالم الثلاثة". أولئك الذين يستطيعون معرفةَ مستواهم، يتعرّفون عليه من خلالِ لونِ الغونغ المُنبعثِ من أجسادِهم؛ إذ يُمكنُ رؤيةُ ذلك إمّا في عمود الغونغ لديهم أو على جسدِ الإنسانِ نفسِه. في التعهّدِ ضِمن "فا العوالمِ الثلاثة"، يكونُ الغونغ في بدايتِه أحمرَ اللون، ومع الارتقاءِ في المستوى يتحوّلُ تدريجيّاً إلى البرتقاليّ، ثمّ الأصفر، فالأخضر، فالأزرق، فالنيلي، فالأرجوانيّ، ثمّ مُتعدّد الألوان، وأخيراً عديمَ اللون. وبهذا يكونُ مجموعُ الألوانِ تسعة، ويُمكنُ من نظرةٍ واحدةٍ معرفةُ المستوى الذي بلغَه المرء. عندما يبلغُ المرءُ مرحلةَ "الجسد الشفّاف" ويواصلُ التعهّدَ إلى الأعلى، يكونُ قد تجاوزَ "فا العوالم الثلاثة"، ونالَ مرتبةً سماويّة ودخلَ المرحلةَ الأوليّة من تعهّدِ "فا" الأرهات. إنّ التعهّدَ في "فا ما وراء العوالم الثلاثة" يعني أنّ المرءَ قد خرجَ من نطاقِ العوالمِ الثلاثة، ولم يعُد خاضعاً لدورةِ التقمّصِ بين البشر. إذا توقّفَ تعهّدُه عند هذه المرحلة، فإنّه يكونُ قد أصبحَ "أرهات"، وإذا واصلَ الارتقاءَ في تعهّدِه، فإنّه ينالُ "ثمرةَ الأرهات الحقيقيّة"، وهي مرتبةٌ لها أيضاً ألوانٌ مميّزة. غير أنّ الأحمرَ والبرتقاليَ والأصفرَ والأخضرَ والأزرقَ والنيليّ والأرجوانيَّ في تلك المرحلةِ يختلفُ عمّا هو موجودٌ في "فا العوالم الثلاثة"، فالألوانُ هناك تكونُ كثيفةً، شبيهةً بألوانِ عالم البشر، بينما تصبحُ في المستويات العليا شفّافة: أحمر شفّاف، برتقاليّ شفّاف، أصفر شفّاف، أخضر شفّاف، أزرق شفّاف، نيليّ شفّاف، أرجوانيّ شفّاف، متعدّد الألوان، وأخيراً عديم اللون. ومع الارتقاءِ أكثرَ فأكثر، تبقى الألوانُ تسعة، لكنّها تصبحُ أكثرَ شفافيّة، وأدقّ وأبهى. وهكذا يتكرّرُ الأمر، وبذلك يمكنُ معرفةُ المرحلةِ التي بلغَها المُمارسُ في تعهّدِه. 

 

إذن، لا يستطيع الناسُ العاديّون رؤيةَ هذه الأمور، فهي لا تتجلّى أمامَ أعينِهم بوضوحٍ، لأنّ المسألةَ تتعلّقُ بالاستنارة (وو). فلو ظهرتْ جميعُ الأشياء التي يتعهّدها جسدُ الإنسانِ على السطحِ بجلاءٍ تام، فما الذي سيَبقى ليستنيرَ إليه؟ عندئذٍ سيتعهّدُ الجميع؛ مَن ذا الذي لنْ يتعلّم؟ سيكونُ كلُّ شيءٍ واضحاً وحقيقيّاً. حتّى أولئك الذين ارتكبوا خطايا لا تُغتفر، والذين لا يستحقّون الرّحمة، بل وحتّى أكثرُ الناسِ شرّاً، سيتعلّمون حيَنها. وعندئذٍ لنْ يكونَ هناك داعٍ لمسألةِ الاستنارة، ولنْ يكونَ التعهّدُ مُمكناً أصلاً. يقولُ بعضُ الناس: "إذا رأيتُ الأمورَ بوضوحٍ بعينَيّ المفتوحتين، فسأتعلّم." لكنّ هذا غيرُ مُمكن. إذا رأى الإنسانُ كلَّ شيءٍ بدقّةٍ ووضوحٍ، فلن يكونَ قادراً على التعهّد، ولنْ يُسمحَ له بذلك. والسببُ هو أنّ على البشرِ أن يتحرّروا من الوهمِ عبرَ الاستنارة، وهذا بالضبط هو جوهرُ التعهّد. أمّا إذا بلغَ الإنسانُ الاستنارةَ الكاملةَ ورأى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ تام، فلن يُسمَحَ له بعدَ ذلك بأنْ يتعهّد. لماذا؟ لأنّ مواصلةَ تعهّدِه حينئذٍ لنْ تعودَ على النحوِ نفسِه؛ إذ سيكون قد رأى بالفعلِ أنّ كلَّ ذلك حقيقيّ. سيرى الروابطَ القدريّةَ في النزاعاتِ بين الناس، ويدركُ أنّ مَن يظلمُ غيرَه إنّما يمنحُه فضيلةً. وعندما يتكشّفُ له الواقعُ على حقيقته، فإنّه سيتعهّدُ بطبيعةِ الحال. لكنْ هل يُعَدّ هذا تعهّداً حقّاً؟ سيكونُ ذلك أشبهَ بالأخذِ مجّاناً، كما أنّ قلبَ الإنسانِ العاديّ لا يُمكنُ التخلّصُ منه بهذه الطريقة.

 

يجب ُعلى الإنسانِ أنْ يَستنيرَ إلى الأمورِ بنفسِه أثناء تخلّصِه من التعلّقات البشريّة في خضَمِّ الصّراعات. إذا رأى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ وجلاءٍ منذُ البداية، فإنّ التعهّدَ يُصبح مستحيلاً. لماذا يَصعُبُ على البوذا أنْ يرفعَ مستواه؟ لأنّه لا يواجِه صراعات، ويرى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ تامّ. فكيف يُمكنُه أن يتعهّدَ إذن؟ مِن هنا يصبحُ التعهّدُ بالنسبةِ إليه أصعبَ بكثير، ولهذا السببِ تحديداً يرغبُ الجميعُ في النزولِ إلى عالمِ البشرِ للتعهّد. فقط عندما يتعهّدُ الإنسانُ وسطَ الوهم يُمكنُه أنْ يرتقيَ بسرعةٍ كبيرة. قد يرى بعضُ الأشخاصِ أثناءَ التعهّدِ شيئاً قليلاً، غيرَ أنّه بطبيعةِ الحالِ لا يُسمحُ للإنسانِ بأنْ يرى الأمورَ بوضوحٍ تامٍّ.

 

في مسارِ تعهّدِ الإنسان تبقى مسألةُ الاستنارةِ حاضرةً من البدايةِ إلى النهاية، لأنّ التعهّدَ يتمُّ وسطَ الوهم. في الغرب يُمنَحُ الإيمانُ قيمةً عُليا ويُشدَّدُ عليه منذُ البدايةِ وحتّى النهاية؛ بدون الإيمان لا يمكنُ الحديثُ عن أيِّ شيء، ومع الإيمانِ يُتاحُ للإنسانِ أنْ يُدرِكَ بعضَ الأمورِ الإلهيّة. ولذلك، عندما يَعترفُ بعضُ الناسِ بخطاياهم أمامَ صورةِ يسوع، يشعرون حقّاً وكأنّه يُصغي إليهم، وكأنّ هناك مَن يُجيبُ عن أسئلتِهم. هكذا هي طُرُقُ التعهّدِ في الغرب، فالإيمانُ في الدياناتِ يُعَدُّ أيضاً شكلاً من أشكالِ التعهّد. إنّ يسوع يرفعُ المؤمنين إلى السّماء، لكنْ إذا خلا جسدُ الإنسانِ من الغونغ، فلنْ يكونَ قادراً على الصّعودِ إلى السّماء. وإلى جانبِ ذلك، فإنّ الأفكارَ السيّئةَ التي تنشأُ بين الناسِ العاديّين، والكارما المُتراكمة على جسدِ الإنسان، تجعلُ خصائصَ المستوياتِ الكونيّةِ العُليا تُقيّده. وإذا بلغَ الإنسانُ أقصى درجاتِ الشرّ، فإنّ جسدَه وروحَه سيفنَيان تماماً، ولنْ يبقى مِنه شيء، وهذا أمرٌ رهيب. لا يُمكنُ للإنسانِ أنْ يصعدَ إلى السّماءِ بدون الغونغ، فالغونغ يتولّدُ في بُعدٍ آخر مع نموِّ الإيمان، واعترافِ المرءِ بذنوبِه، وسعيِه المستمرِّ ليصبحَ إنساناً صالحاً. ومع أنّ الغونغ ينمو لديه، إلا أنّه لا يعلمُ بذلك، لأنّ التعاليمَ في الغربِ تركّزُ فقط على صلاحِ الإنسان، لا على الغونغ نفسِه. وينطبقُ الأمرُ ذاتُه على الرّهبانِ البوذيّين؛ هُم لا يُمارسون تمارينَ التشيغونغ، ومع ذلك ينمو الغونغ لديهم بالفعل من دونِ أنْ يُدركوا ذلك.

 

 

البوذا والطاو


في النظامِ الطاويّ يُمارَسُ التعهّدُ بشكلٍ فرديّ، ولذلك لم يكُن من المُفترضِ أنْ تنشأَ ديانةٌ تُسمّى الطاويّة. فالطاويّةُ في حقيقتِها كانت نتيجةَ إصلاحاتٍ ظهرَتْ في العصور المُتأخّرة. خلالَ جميعِ الفتراتِ التاريخيّةِ السابقة، لم يكُن هناك ما يُسمّى بالطاويّة. ويعودُ ذلك إلى أنّ النظامَ الطاويَّ لا يتحدّثُ عن الخلاصِ الشاملِ لجميعِ الكائناتِ الحيّة، بل يركّزُ على التعهّدِ الفرديِّ والمُمارسةِ في هدوءٍ وسكينة. لذلك يَسعى أتباعُ الطاويّة إلى تعهّدِ مبدأِ "جين". من بين "جين-شان-رِن" يركّزون بشكلٍ خاصٍّ على تعهّدِ "جين" وتعهّدِ ذواتِهم على أساسِه، أي تعهّد الحقّ، والحفاظ على الطبيعةِ الفطريّة، والعودة إلى الأصلِ وإلى الحقّ. تُشدِّدُ الطاويّةُ على أنْ يكونَ التعهّدُ في عُزلة، لذلك لا تَسعى إلى إنقاذِ جميعِ الكائناتِ على نطاقٍ واسع. وعندما يُكمِلُ الطاويُّ تعهّدَه، يُصبِحُ إلهاً متجوّلاً؛ ففي السماء توجدُ أيضاً جبالٌ وأنهارٌ، وقد يُقيمُ في أحدِ الجبالِ السماويّة. في الواقع، نشأتْ الطاويّةُ الدينيّةُ نتيجةً لرغباتِ البشرِ العاديّين وتعلّقاتِهم؛ فالبشرُ يميلون إلى مُمارسةِ السلطةِ ضِمن جماعات، ويتعاونون فيما بينهم ضمن مجموعات، ويَسعون جميعاً وراءَ النجاحِ والمكاسب الشخصيّة، ولهذا سرعان ما تنشأُ مثلُ هذه الأمور. 

 

في الواقع، الطاويّةُ ليست ديانةً بالمعنى التقليديّ، فهي تُعلّمُ التلاميذَ أنْ يُمارسوا التعهّدَ في عُزلة. ورغمَ أنّ الطاويّةَ الدينيّةَ قد نشأتْ بالفعلِ ولها العديدُ من التلاميذ، إلّا أنّ ليس جميعهم يتلقّوْن التعاليمَ الحقيقيّة. إذا وَجَدَ المعلّمُ تلميذاً صالحاً، نَقَلَ إليه التعاليمَ الحقيقيّة. وإذا لم يوجد تلاميذٌ صالحون، يظلُّ المعلّمُ حرّاً طليقاً يفعلُ ما يشاء، لأنّه قد بلغَ الطاو وحقّقَ الحريّةَ الكاملةَ المُترتّبةَ على ذلك.

 

البوذا هُم البوذا، والطاو هُم الطاو. لا يُمكنُ أبداً دمجُ مبادئِ النظامين معاً. أمّا ما نُمارسُه نحنُ فهو عظيمٌ حقاً؛ نحن نُمارِسُ وِفقاً للكونِ بأكملِه، وكلُّ شيءٍ مشمولٌ فيه. تقومُ أسسُنا على النظامِ البوذيّ، وجميعُ مبادئِنا وخصائِصنا الرئيسيّة تحمِلُ الطابعَ البوذيّ. ومع ذلك فإنّ هذه الـ"فا" تتجاوزُ كلاً من البوذيّةِ والطاويّة. لكلِّ مستوىً فهمُه الخاصّ، ولكلِّ مستوىً مظاهرُه المختلفة. لعالمِ الفالون معارفُه الخاصّة، وما وراء عالمِ الفالون توجدُ معارفُ أسمى، وفوقَ ذلك توجدُ مستوياتٌ أعلى تتجلّى فيها معارفُ أوسع كلّما واصلنا الارتقاء.

 

هناك أيضاً ما يُسمّى "الإله البدئيّ". لكن لا جدوى من شرحِه للمُمارسين في الوقتِ الحاضر، فهو يفوقُ قدرتَهم على التصوّرِ ولنْ يستطيعوا بلوغَه. لذلك أكتفي بالحديثِ عن النظامين: البوذيّ والطاويّ. إذا تطرّقْتُ إلى ما هو أعلى من ذلك، فلنْ يستطيعَ الناسُ قبولَه، كما أنّه لا يُسمَحُ لهم أصلاً بمعرفتِه.

 

 

عند تخليص البشر وتعليم الـ"فا" ليس الأمر استعراضاً

 

لا جدوى من الحديثِ عن الـ"فا" الحقيقيّةِ للرّهبانِ الذين يُمارسون التعهّدَ بين الناسِ العاديّين، وخصوصاً أولئك الذين لم يبلغوا الاستنارة، لأنّهم لا يملكون الفهمَ الكافي. أمّا الرهبانُ الذين بلغوا الاستنارة، فلنْ تجِدَ لهم أثراً في العالمِ الدنيويّ؛ فقد اعتزلوا جميعاً في أعماقِ الجبال والغابات؛ وكلُّهم يعرفونني، أمّا الناسُ العاديّون فلا يعرفونني. كما أنّ كثيراً من كبارِ المُمارسين الذين بلغوا مستوياتٍ عاليةٍ في التعهّدِ يَعلمون بوجودي أيضاً؛ بعضُهم يأتي سرّاً، يُلقي نظرةً ثمّ يُغادر، وبعضُهم يأتي ليتبادلَ معي بضعَ كلمات. وعلى الرّغم من أنّ بعضَهم قد تعهّدَ في الجبالِ والغاباتِ لمئاتِ السنين، أو حتّى لآلافِ السنين، إلّا أنّهم لم يرتقوا إلى مستوياتٍ عاليةٍ في تعهّدِهم. ذلك لأنّ الطرُقَ التي يَسلكونها شاقةٌ للغاية؛ إنّهم لا يَسيرون في طرُقٍ كُبرى، وإنّما في طرُقٍ صُغرى. لذلك، وعلى الرّغمِ من طولِ مدّةِ تعهّدِهم، لم يحصلوا على ثمرةٍ حقيقيّة. وبما أنّهم لا يختلطون بالناس العاديّين، تبقى قدراتُ الغونغ لديهم مفتوحةً وتتجلّى بالكامل. أمّا الذين يتعهّدون بين الناسِ العاديّين، فعادةً ما تُغلَقُ كثيرٌ من قدراتِ الغونغ الكبيرةِ لديهم؛ ولو لم تُغلَق، لكانَ مجرّدُ خاطرٍ كافياً لتحريكِ مبنىً من مكانِه، وهذا غيرُ مسموحٍ به؛ لا يجوزُ بأيِّ حالٍ إفسادُ حالةِ المجتمعِ البشريّ. لذلك يظنُّ الناسُ أنّ أولئك الرّهبان قد بلغوا مراتبَ عُليا، لأنّه في نظرِ الناسِ العاديّين يُعتبرُ كلُّ من يستطيعُ إظهارَ قدراتِه رفيعَ المستوى. أمّا الأشياءُ التي يُظهرِها معلّمو التشيغونغ للعامّة، فهي في الواقعِ ليست سوى تقنيّاتٍ صغيرةٍ ومحدودة؛ إنّها ضئيلةٌ ومتواضعةٌ ولا تُعدُّ شيئاً في الحقيقة، ومع ذلك يراها الناسُ العاديّون شيئاً عظيماً. 

 

إنّ عدمَ اتّباعي أسلوبَ الاستعراضِ أثناءَ نشرِ الـ"فا" يعودُ إلى أنّني، منذُ البداية، أوضحتُ للجميعِ الهدفَ من ظهوري للعلن. لو كنتُ أقدّمُ عروضاً أثناءَ نشرِ الـ"فا"، لكانَ ذلك نشرَ طريقٍ هرطقيّ؛ إذ إنّ الناسَ لن يأتوا لطلبِ الـ"فا"، وإنّما سيأتونَ لتعلّمِ بعضِ التقنيّات. وهذا أمرٌ لم يفعلْه بوذا شاكياموني في ذلك الوقت. أمّا علاجُ الأمراض، فلا بأسَ به، لأنّ جوهرَه لا يُرى، ما يظهرُ فقط هو أنّ المريضَ قد تعافى. لكنْ كيف حدَثَ الشفاء؟ الأمرُ متروكٌ لك، سواء صدّقتَ الأمرَ كلَّه أم لا. لقد أصبحَ المريضُ بحالٍ أفضلَ الآن، لكنْ هل تؤمنُ بأنّه أصبحَ بحالٍ أفضلَ؟ الناظرُ من الخارجِ لا يستطيعُ أنْ يعرفَ ما إذا كان لا يزالُ يشعرُ بالألمِ أم لا. وهنا أيضاً تبرزُ مسألةُ القدرةِ على الاستنارة. وعلى أيِّ حال، فإنّ شفاءَ الأمراضِ أمرٌ مقبول؛ فقد قامَ به كلٌّ من يسوع وبوذا شاكياموني في زمانِهما، بينما لاو تسي لم يقُم بذلك، لأنّه كان يعلَم أنّ عالمَ البشرِ مليءٌ بالمخاطرِ والظُلمات. لذلك سارعَ إلى تدوينِ "الخمسة آلاف كلمة"، ثمّ اجتازَ الممرَّ وتوجّه نحوَ الغرب.

 

العالمُ البشريُّ معقّدٌ للغاية، مَن ذا الذي يستطيعُ أنْ يعرِفَ من أيِّ عالمٍ جاءَ هذا الإنسانُ الموجودُ على الأرض؟ إنّ الآلهةَ في تلك العوالمِ ما زالوا يرغبون في رعايتِه، وكلُّ شيءٍ يعتمِدُ على ما إذا كان الإنسانُ قادراً على الاستنارةِ أم لا؛ فإذا استطاعَ ذلك، تمكّنَ من العودةِ إلى موطنِه الأصليّ. لكنّهم كانوا يعلمون أنّ هذا الإنسانَ لم يعُد لديه أمل، وأنّ الأمرَ قد تجاوزَ قدرتَهم على رعايتِه، ومع ذلك لم يرغبوا في التخلّي عنه. حين ظهرَ يسوع آنذاك ليخلّصَ الناس، ظنوا أنّه يتدخّلُ في شؤونِهم وقالوا: "هذا الإنسانُ تابعٌ لنا، ونحن مَن ينبغي أنْ نخلّصَه، فلماذا تتدخّلُ في شؤونِنا؟" لم يتقبّلوا ذلك، وكان سببُ ذلك هو هذا الفكرُ بعينِه، لكنّه في الحقيقةِ فكرٌ خاطئٌ. أمّا يسوع فلم يهتمَّ بما إذا كان هذا الإنسانُ تابعاً لأحدٍ منهم أم لا، لأنّ هدفَه كان تخليصَ البشر. لقد رأى أنّ جميعَ الكائنات تُعاني، وأرادَ أنْ يمنحَها الخلاصَ ويُتيحَ لها إمكانيّةَ الصعودِ إلى الأعلى. وهكذا تدخّلَ يسوع في شؤونِ العديدِ من الآلهةِ في عوالمَ مختلفة. وفي النهايةِ احتدمَتْ الخلافاتُ إلى درجةِ أنّ آثارها ظهرتْ في المجتمعِ البشريّ، وتجمّعتْ كلُّ الخلافاتِ المُتصاعدةِ على يسوع نفسِه، فكان يتحمّلُ العبءَ كلَّه. وفي النهايةِ لم يستطعْ أنْ يتحرّرَ من ذلك، ولم يكُن أمامَه سوى الموت؛ فصُلِبَ، وبذلك زالتْ العداوةُ القائمةُ بين الآلهة. وبما أنّ جسدَه البشريَّ لم يعُد موجوداً، لم يعُد بإمكانِهم أنْ يحمِلوا ضغينةً تجاهه، وهكذا سُوّيتْ العديدُ من المشكلاتِ التي كانت قائمة. ولهذا السببِ قيلَ إنّ يسوع تحمّلَ المُعاناةَ نيابةً عن جميعِ الكائنات؛ هذا هو المعنى الحقيقيُّ لهذه العبارة. 

 

وقد واجَه بوذا شاكياموني أيضاً صعوباتٍ بالغةً في نشر الـ"فا"، إذ كان في صراعٍ مُستمرٍّ مع الدياناتِ السبعِ التي كانت منتشرةً آنذاك في الهند. في ذلك الوقتِ كانت البراهمانيةُ القديمةُ قويّةً جداً. وفي النهاية، لم يُحقّقْ بوذا شاكياموني الهدفَ الحقيقيَّ الذي كان يسعى إليه، ورحل.

 

لقد كتب لاو تسي "الخمسة آلاف كلمة" ثمّ رحلَ أيضاً، تاركاً الأمرَ للأجيالِ اللاحقةِ لتواصلَ المسيرة، وكان ذلك تماشياً مع مشيئةِ السماء. ففي النظامِ الطاويّ لا يُسمَحُ بتأسيسِ دينٍ، وكان تأسيسُ دينٍ ضمنَ هذا النظامِ خطأً في الأصل. فالطاويُّ يركّزُ على التعهّدِ الفرديّ، وتعهّدِ جين (الحقّ)، وعلى المُمارسةِ بهدوءٍ وسكينة، ولهذا تُنقَلُ التعاليمُ إلى تلميذٍ واحدٍ فقط يختارُه المعلّمُ بنفسِه، ولا تُنقَلُ إلّا لِمَن كان أهلاً لها. إنّه لا يستطيعُ أنْ يُخلّصَ جميعَ الكائناتِ على نطاقٍ واسع، ولا يحمِلُ أصلاً هذه الرّغبة، بل يوجِّهُ تركيزَه بالكاملِ نحوَ تعهّدِ الحقّ. وعلى الرّغمِ من وجودِ العديدِ من الناسِ في المعابدِ الطاويّة، إلا أنّه يتمُّ اختيارُ شخصٍ واحدٍ فقط لنقلِ التعاليمِ إليه، بينما يظلُّ وجودُ الآخرين شكليّاً وتمثيليّاً فحسب. لذلك لا ينبغي أنْ يكونَ هناك دينٌ في النظامِ الطاويّ. في الأزمنةِ الماضية، كان الطاويّون دائماً يُمارسون التعهّدَ في عزلةٍ في أعماقِ الجبال.

 

ما علّمه كونفوشيوس كان مبادئَ توضِّحُ كيف ينبغي للبشرِ أنْ يتصرّفوا، ولم يكُن مُرتبطاً بالتعهّد. ومع ذلك، استفادَ الصينيّون كثيراً من تعاليمِه. إنّ فكرةَ "الطريق الأوسط" تُساعدُ الإنسانَ على البقاءِ متّزناً وغيرَ قابلٍ للهزيمة؛ إذ إنّ أيَّ أمرٍ إذا بلغَ أقصاه قد ينقلبُ إلى نقيضِه. إذا وصلَ الإنسانُ القمّة، فقد يهبطُ إلى الأسفل. ومن هنا تأتي أهميّةُ السعي الدائمِ إلى "الوسطية" والحفاظِ على حالةِ التوازنِ دائماً: "أنا لا أصعدُ للأعلى، لكنّني ما زلتُ أفضلَ من الذين في الأسفل، ولنْ أفشلَ أبداً." إن كلَّ ما يُدفَعُ إلى أقصى حدودِه ينقلِبُ إلى نقيضِه، وهذا ينطبِقُ بشكلْ خاصٍّ على الناسِ العاديّين. 

 

في أعماقِ الجبالِ والغابات، يعيشُ العديدُ من المُمارسين الذين شاهدوا كلَّ الأحداثِ التي ظهرتْ في التاريخِ، والتي ستظهرُ في المستقبلِ أيضاً. ومع ذلك، لم يتدخّلْ أيٌّ منهم في هذه الأمور، ولا رغبةَ لديهم أصلاً في التدخّل. إنّهم يَعلمون أنّ كلَّ ذلك يحدُثُ نتيجةً لتغيّراتِ الظواهرِ السماويّة، وأنّ كلَّ ذلك مقدّرٌ له أنْ يحدُثَ على هذا النحو.

 

مَن يُخالفُ إرادةَ السماءِ فإنّه سيُلاقي العواقبَ لا محالة، ولهذا لا يجرؤُ الناسُ على فعلِ ذلك. الجميعُ يُثني على "يوي فَي"، لكنْ لماذا فشِلَ في إنقاذِ أسرةِ سونغ الجنوبيّة رغمَ قوّةِ عائلتِه؟ السببُ هو أنّ هذا كان مُقدّراً من السماء. لقد كان "يوي فَي" عازماً على إنقاذِ أسرةِ سونغ، لكنّه لم ينجح لأنّه في الجوهرِ خالفَ إرادةَ السماء. فقد كان مُقدراً لأسرةِ سونغ أنْ تزول، لكنّه أصرَّ على فعلِ العكس، ومن ثمّ خالفَ إرادةَ السماء. أذكرُ هذا فقط لتوضيحِ نقطة: "مخطّطاتُ البشرِ، مَهما أحكموها، لا تستطيعُ مُجابهةَ تخطيط السماء." أنا لا أعني بذلك أنّ "يوي فَي" كان سيّئاً، وإنّما أريدُ فقط توضيحَ هذا المبدأ.

 

إنّ الأمورَ التي يراها الإنسانُ صحيحةً من منظورِه البشريّ ليست بالضرورةِ صحيحةً حقاً. سواء كان الإمبراطور الأوّل "تشين شيهوانغ" أو الإمبراطور "هان وودي" - أيّاً كان الحاكمُ ومَهما فعل - فإنّ الحكمَ عليه يُترَك لِمَن يأتي بعده. الناسُ العاديّون ينظرون إلى الأمورِ من زاويتِهم الخاصّةِ ووِفقاً لمعتقداتِهم الرّاسخة، وما يَعتبرونه خيراً أو شرّاً قد لا يكونُ كذلك في الحقيقة. علاوةً على ذلك، يتّخذُ الإنسانُ نفسَه معياراً للحكمِ على الخيرِ والشرّ: "إذا كان الشخصُ جيّداً معي قلتُ إنّه جيّدٌ؛ وإذا كان الشيءُ مفيداً لي قلتُ إنّه خيرٌ." لذلك، ليس بالضرورةِ أنْ يكونَ ذلك خيراً حقاً. إنّ المعيارَ الوحيدَ لتحديدِ الخيرِ والشرِّ هو الصفاتُ الكونيّة، أي الـ"فا" (القانون الكونيّ). وحدَها هذه الصفات تبقى ثابتةً إلى الأبد، فهي مبادئُ الكونِ والمقياسُ الأوحدُ الذي يُحكَمُ بموجبِه على ما هو خيرٌ وما هو شرّ. لقد قتلَ الإمبراطور الأوّل "تشين شيهوانغ" الكثيرَ من الناسِ إبّانَ توحيدِ الصين، كما قتلَ العديدَ من حكّامِ الدولِ الأخرى. كان الحكّامُ والشعوبُ في جميعِ البلادِ تحت سلطانِه، ولذلك لَعنَه الجميعُ وبغَضوه. إذن، كان الناسُ يُقيّمون الخيرَ والشرَّ من منظورِهم الخاصّ. أمّا توحيدُ الصين فكان أمراً محتوماً، إذ جاءَ نتيجةً لإرادةِ السماءِ وتغيّراتِ الظواهرِ السماويّة. لو لم يتصرفْ وفقَ إرادةِ السماء، لما تمكّنَ من النجاحِ ولما تحققّ التوحيد. لهذا السببِ فإنّ الأمورَ بين الناسِ العاديّين تَجري دائماً على هذا النحو. أمّا نحن المُمارسون، فلا نُصدِرُ أبداً أحكاماً أو تعليقاتٍ حولَ هذه الأمور. المُمارسُ الحقيقيُّ لا ينشغلُ بالسياسة، وإلّا أصبحَ سياسيّاً وليس مُمارساً.

 

عندما يَصِلُ البشرُ إلى مرحلةٍ مُعيّنة، تكونُ الكارما قد بلغتْ حدّاً هائلاً يَجعلهم لا يَستحقّون الخلاص. كارما بهذا الحجمِ لا يستطيعُ الإنسانُ تسديدَها أبداً. على مدى حيواتٍ عديدة، يُراكمُ البشرُ كارما فوقَ كارما حتّى يُصبح تسديدُها مستحيلاً، فيُقدَّرُ لهم أنْ يلقوْا الهلاك. وكيف يحدُثُ ذلك؟ عبرَ كوارث صغيرة تُصيبهم وتُفنيهم. وتبقى الحروبُ الوسيلةَ الأكثر فعاليّةً لتحقيقِ ذلك، ولهذا جاءَ التاريخُ على ما هو عليه.

 

لقد كان لكلِّ إمبراطورٍ مؤسِّسٍ في العُهودِ السابقةِ كائناتٌ مُحارِبةٌ تتجسّدُ إلى جانبِه لمساندتِه وحمايتِه في الحروب، وهذا هو الدورُ الذي وُجِدَتْ من أجلِه. ولذلك، وعلى الرّغمِ من أفعالِها، فإنّ ما قامتْ به لا يُكسبُها دو، ولا يُولّدُ لها كارما أيضاً؛ فهي لم تقُم سوى بأداءِ مهمّتِها. على مرِّ العصورِ الطويلة، كم من الناسِ استطاعوا إدراكَ حقيقةِ ذلك؟ Bottom of Form Bottom of Form

 

 

البوذا يمنح الخلاص لا البركات


في النظامِ البوذيّ لا يتحدّثون أبداً عن مساعدةِ الناسِ على تحقيقِ الثراءِ أو كسبِ المالِ بأيّ شكلٍ من الأشكال. إنّ الأمراضَ تُعزى إلى الكارما، ولذلك لم يتمّ تعلَيمُ الناسِ كيف يتخلّصون من أمراضِهم أو كيف يُحافظون على صحّتِهم. تتحدّثُ البوذيّةُ عن الخلاصِ الشاملِ لجميعِ الكائناتِ الحيّة، أي تحريرِ الإنسانِ من مُعاناةِ الوجودِ كإنسانٍ عاديّ، وإيصالِه عبرَ النيرفانا إلى العالمِ الآخر. هذا ما علّمَه بوذا شاكياموني، وكانت غايتُه تمكينَ الإنسانِ من دخولِ ملكوتِ السماوات. وما قالَه يسوع كان يحمِلُ المعنى نفسَه، ولا يُمكنُ القولُ إنّ أحدَهما أعلى أو أدنى من الآخر. لكنّ الناسَ اليومَ لا يَفهمون ذلك؛ هُم يظنّون أنّ البوذا قادرٌ على مُباركةِ الناسِ، وإزالةِ أمراضِهم، ومساعدتِهم على تحقيقِ الثراء، وأنّ قوّةَ الكائناتِ المستنيرةِ العظيمة غيرُ محدودةٍ، ويُمكنُها تخليصُ البشر. يعتقدُ الناسُ العاديّون أنّ خلاصَ البوذا للبشرِ يعني حمايتَهم، لذلك يتضرّعون إليه لينعَمَ عليهم بالبركةِ ويزيلَ أمراضَهم ويلبّيَ لهم رغباتِهم. لكنّ البوذا في الحقيقةِ لا يكترِثُ مطلقاً بمثلِ هذه الأمور؛ هذه كلُّها مفاهيمُ منحرفةٌ ناتجةٌ عن فسادِ تصوّراتِ الإنسانِ المُعاصر، ولم يَرِدْ في السوطرا البوذيّةِ الأصليّةِ أيُّ شيءٍ من هذا القبيل. لذلك أقولُ دائماً: قد تَحرِقُ البخورَ وتتضرّعُ إلى البوذا آملاً أنْ تُصبحَ ثريّاً، لكنّ البوذا لا يهتمُّ مُطلقاً بما إذا كنتَ ستصبحُ ثريّاً أم لا.

 

عندما تتعبّدُ للبوذا، فإنّه لا يهتمُّ إطلاقاً بما إذا كنتَ ستُصبحُ غنيّاً، بل على العكس، يَحُثّكَ على التخلّصِ من الرّغبةِ في التملّكِ والطمع. إذا واجهْتَ صعوباتٍ حقيقيةً في حياتِك، فقد يَمنحُك بعضَ المساعداتِ الماديّةِ لضمانِ سلامتِك؛ لكنّه لنْ يمنحَ الثروةَ لِمَن لم يكُن مقدَّراً له ذلك. أمّا الأمراض، فيعتبرُها البوذا نتيجةً للكارما المُتراكمةِ من حيواتِك السابقة. ولذلك قد ترى بعضَ الناسِ يتضرّعون إلى تمثالِ بوذا طمعاً في الثراء، وفي النهايةِ ينالونَ فعلاً شيئاً من ذلك. لكنْ أيُّ نوعٍ من الثراءِ نالوه حقاً؟ ذلك التمثالُ لا يحتوي على بوذا حقيقيّ، وإنّما هو بوذا زائفٌ نشأ نتيجةَ عبادةِ الناسِ له. وغالباً ما تلتصِقُ بمثلِ هذه التماثيل ثعالبٌ أو ثعابينٌ أو بناتُ عِرْسٍ، وما شابَه ذلك. قد يبدو لك أنّك حقّقتَ الثراءَ من خلالِ العبادة، لكنّ هناك شروطاً لذلك. في هذا الكونِ يوجدُ مبدأٌ مفادُه: لا ربحَ من دونِ خسارة. وهكذا تستغلُّ تلك الكائنات الثغرةَ في هذا المبدأِ لتستوليَ على جسدِ الإنسان. عندما تسجدُ أمامَ التمثالِ طامعاً في المال، تقولُ لك هذه الكائنات: "حسناً، إليك المال!". لكنْ إذا وجدَتْ أنّ جسدَك لا يحمِلُ أشياءَ جيّدة، فلنْ تكترِثَ لمساعدتِك؛ لنْ تجعلَك غنيّاً، وتذهبُ صلواتُك كلّها سُدىً. أمّا إذا وجدَتْ في جسدِك أشياءَ ثمينةً ترغبُ فيها، فإنّها تمنحك قدْراً من الثروة، ثمّ تأخذُ مِنك تلك الأشياءَ الجيّدة. إذا رغبْتَ في المال، فإنّها تُعطيك إيّاه بلا تردّدٍ، لكنّك لا تُدرِكُ أنّك تفقدُ شيئاً بالغَ الأهميّة، وأنك ربّما لنْ تستطيعَ استعادتَه أبداً. فالإنسانُ لا يملِكُ حياةً واحدةً فقط؛ وقد تكونُ حياتُه القادمةُ أشدَّ بؤساً بكثير.

 

 

انحطاط البشريّة والمفاهيم الخطيرة


في الصين القديمة، إذا تحدّثَ أحدٌ عن تعهّدِ الطاو كان الناسُ يقولون: "إنّ هذا الشخصَ حقّاً ذو جذرٍ صالحٍ". وإذا تحدّثَ أحدٌ عن البوذا أو الطاو أو الآلهة، كان الجميعُ يقولون: "إنّك حقًّاً من الأخيار." أمّا اليوم، إذا تحدّثتَ عن التعهّدِ لبلوغِ البوذا أو الطاو، فسيسخرُ منك الآخرون. لقد تغيّرتْ المفاهيمُ الأخلاقيّةُ لدى الناسِ تغيّراً هائلاً، وهي تَنحدِرُ بسرعةٍ كبيرة، ولذلك يُقالُ إنّها آيلةٌ إلى الفساد. ومع ذلك، يظنُّ بعضُ الناسِ أنّ البشرَ في الأزمنةِ القديمةِ كانوا جهلةً ويؤمنون بالخُرافات. إنّ مفاهيمَ البشرِ اليومَ تتبدّلُ بدرجةٍ كبيرةِ وبشكلٍ مُخيف. وقد أكّدَ بوذا شاكياموني على وجهِ الخصوصِ أنّ التغيّراتِ التي ستشهدُها البشريّةُ في عصرِ نهايةِ الـ"فا" ستكونُ هائلةً إلى درجةٍ لا يُمكنُ وصفُها. في عالمِ اليوم، لم تعُدِ قلوبُ الناسِ تنصاع للـ"فا"، ولا سيّما في الصين. وفي البلدان الأخرى الحالُ مُماثلٌ، وإن اتّخذَ أشكالاً مختلفة. في برّ الصين الرئيسيّ، تمّ إبّانَ "الثورة الثقافيّة" القضاءُ على ما سُمّيَ بالأفكارِ والمفاهيمِ القديمة، ولم يُسمحْ للناسِ بالإيمان بتعاليمِ كونفوشيوس. ومنذُ ذلك الحين، لم يعُدْ الناسُ مُلتزمين بالمعاييرِ الأخلاقيّة، ولم تعُدْ سلوكيّاتُهم محكومةً بأيِّ ضوابطَ أخلاقيّة، كما لم يُسمحْ لهم بالإيمانِ بالأديان. ومع مرورِ الزمن، لم يعُد الناسُ يؤمنون أيضاً بأنّ الشرَّ يُقابَلُ بالجزاءِ الكارميّ. 

 

إذا لم يحافظْ الناسُ على الـ"فا" في قلوبِهم، أفلا يجرؤون عندئذٍ على فعلٍ أيِّ شيءٍ وارتكابِ شتّى أنواعِ الذنوب؟ هذا هو أخطرُ ما تُواجِهه البشريّةُ اليوم. بعضُ الأجانبِ لا يَجرؤون على القيامِ بأعمالٍ تجاريّةٍ في الصين بسبب تهوّرِ بعضِ الشبابِ الذين يندفعون سريعاً نحو العنفِ والجريمة، وهو أمرٌ مروّعٌ حقّاً. لقد باتت الأوضاعُ في الصين أسوأ ممّا هي عليه في سائرِ البلدانِ الأخرى. ولمّا بدأتْ أفلامُ صراعِ العصاباتِ تُعرَضُ في برِّ الصين، ظنّ الناسُ أنّ هونغ كونغ وسائرَ البُلدانِ تعيشُ الفوضى ذاتها. غيرَ أنّ الواقعَ ليس كذلك؛ فهذه مجرّدُ مبالغاتٍ سينمائيّة هدفُها جذبُ المشاهدين وإشباعُ رغبتِهم في الإثارة. أمّا الحقيقةُ فهي أنّ الناسَ خارجَ الصين يتحلّون بأخلاقٍ أرقى بكثير، وهُم أكثرُ تحضّراً. لكنّ الشبابَ في الصين أخذوا يقلّدون ما يشاهدونه. وبما أنّ الناسَ في برّ الصين كانوا معزولين عن العالمِ، ثمّ انفتحوا فجأةً على مثلِ هذه المشاهد، ظنّوا أنّ العالمَ كلَّه على هذه الشاكلة.

 

لقد قلّدَ كثيرٌ من الناسِ في أنحاءِ الصين رجالَ الأعمالِ الأشرارِ الذين ظهروا في المُسلسلِ التلفزيوني "عصابة شانغهاي" (The Bund). لكنّ هذا لم يكُن سوى تصويرٍ لشنغهاي القديمة في ثلاثيناتِ القرنِ الماضي، مصحوباً ببعضِ المُبالغاتِ الفنيّة. أمّا الحياةُ الواقعيّةُ فلم تكُن على هذا النحو. لقد تركتْ أفلامُ وبرامجُ هونغ كونغ التي تصوّرُ صراعاتِ العصابات تأثيراً سلبيّاً كبيراً على مفاهيمِ الناسِ في برِّ الصين الرئيسيّ. لقد تغيّرتْ القيمُ الأخلاقيّةُ للبشر، وظهرتْ مُمارساتٌ مثلُ المثليّة الجنسيّة، وإدمان المخدّراتِ والاتّجار بها، والجريمة المُنظمة، والتحرّر الجنسيّ، والدعارة…  وقد خرجَ الأمرُ عن السيطرة! هناك قولٌ مأثورٌ: "احذر شرَّ اللئيمِ إذا شَبِع"، فقد يفتقرُ لضبطِ النفسِ ويجرؤ على ارتكابِ أيِّ شيء. أليس هذا مروّعاً؟ كيف سيكونُ حالُ البشرِ إذا استمرّوا على هذا المنوال؟ لقد انقلبتْ المفاهيمُ حولَ الخيرِ والشرِّ رأساً على عقب. في يومِنا هذا يُقدَّرُ ويُعظّمُ مَن يَحمِلُ الشرَّ في قلبِه، ومن يَجرؤ على القتلِ والضربِ يُنظرُ إليه بإعجابٍ وتمجيد.

 

إنّ أخلاقَ البشريّةِ في تدهورٍ سريعٍ، وهذا أمرٌ يَشهدُه العالمُ بأسرِه. فقد تغيّرتْ مفاهيمُ الناسِ تغيّراً جذريّاً: لم يعُد الجميلُ جميلاً في أعينِهم كما كان، ولا الرّحيمُ أفضلَ من الشرّير، ولا النظيفُ والمنظَّمُ أبهى من الفوضويّ. لنأخذَ مثالاً ملموساً: في الماضي، مَن أرادَ أنْ يُصبحَ موسيقيّاً أو مغنّياً كان عليه أنْ يلتزمَ بالتدرّبِ لفترةٍ طويلةٍ ويتعلّمَ أساليبَ الغناءِ ويُتقِنَ أصولَ الموسيقى. أمّا اليوم، فيكفي لشخصٍ ذي مظهرٍ قبيحٍ وشَعرٍ طويلٍ أشعثَ أنْ يعتليَ المسرحَ ويُطلِقَ صرخاتٍ عشوائيّةً مثل: "آه... ها ها ..."، لتجعله الضجّةُ الإعلاميّةُ نجماً، رغمَ أنّ الأصوات التي يُطلِقُها قبيحةٌ وتَنفُرُ منها الآذان. بفعلِ الانحطاطِ الأخلاقيّ وتغيّرِ مفاهيمِ الناس، أصبحت بعضُ الأمورِ القبيحةِ والشرّيرةِ تُعدُّ جميلةً، وأصبحَ الجميعُ ينبهرون بها ويتهافتون على تقليدِها. وينطبقُ الأمرُ نفسُه على الفنونِ التشكيليّة: يكفي أنْ يُغمَسَ ذيلُ قطةٍ في الحبرِ وتُترَكَ تعبثُ هنا وهناك، ليُسمّى ما ينتجُ عن ذلك "عملاً فنّيّاً"! ثمّ ظهرَ ما يُسمّى بالفنِّ التجريديّ والانطباعيّ، لكنْ أيَّ فنٍّ هذا الذي يتحدّثون عنه؟ في الماضي، كلّما ازدادتْ اللوحةُ جمالاً وعذوبةً للعين، ازدادتْ محبّةُ الناسِ لها. أمّا اليوم، فما الذي بقيَ من معنى الفنّ؟! إنّ ما نراه الآن ليس سوى ثمرةِ سعيِ "الفنّانين" وراء ما يُسمّى "تحرير الطبيعة البشريّة". لكنّ الطبيعةَ البشريّةَ إذا لم تُضبَطْ بالأخلاق، فلا تكونُ إلّا انفجاراً للطبيعةِ الشيطانيّةِ الكامنةِ في الإنسان. هل يُعقَلُ أنْ تُنتِجَ البشريّةُ أشياءَ جميلة وهي على هذا الحال؟ إنّ مفاهيمَ الناسِ آخذةٌ في التشوّهِ والانحرافِ أكثرَ فأكثر. 

 

ما الهدفُ الذي يسعى إليه هؤلاء الفنّانون؟ إنّهم يَرفعون شعارَ "تحرير الطبيعة البشريّة" دون أيِّ ضوابطَ أو قيود، ويتصرّفون كما يحلو لهم. وقد قيل في البوذيّة: إذا خلا قلبُ الإنسانِ من القيودِ والضوابط الأخلاقيّة، فلنْ يَصدُرَ عنه سوى الطبيعةِ الشيطانيّة. انظروا إلى الأعمالِ الفنّيّةِ والأدبيّةِ اليوم! إنّ الناسَ العاديّين لا يُدركون ما يَجري حقّاً، فكلُّ ما نراه ليس سوى انكشافٍ واسعٍ للطبيعةِ الشيطانيّةِ الكامنةِ في الإنسان.

 

لنأخذ مثالاً على الألعابِ في المتاجر: في الماضي، كان الناسُ يشترون الدمى الجميلة، أمّا اليوم فكلّما كانت الألعابُ أقبح، ازدادتْ شعبيتُها وسرعةُ بيعِها. لقد أصبحتْ الجماجمُ والشياطينُ، وحتّى الأشياء التي تُشبِه الفضلات، تُسوَّقُ على أنّها ألعابٌ وتُباعُ في الأسواق. كلّما ازدادَ قُبحُ اللعبة، ازدادَ الإقبالُ عليها! أليس هذا دليلاً على أنّ مفاهيمَ الناسِ قد تغيّرتْ وانقلبتْ في الاتجاهِ المُعاكس؟

 

عندما أسردُ الحقائقَ عمّا يحدُثُ في مجتمعِ البشر، يستطيعُ الناسُ فهمَها على الفور، وهذا يدلُّ على أنّ الطبيعةَ الأصليّةَ للإنسانِ لم تتغيّر، غير أنّ البشريّة قد انحدرتْ إلى وضعٍ خطيرٍ للغاية. في الدّوراتِ التي قدّمتُها في البُلدان الغربيّة، تحدّثتُ عن الشذوذِ الجنسيّ، وقلتُ إنّ الانفلاتَ في السلوكِ الجنسيّ لدى بعضِ الناسِ في الغربِ قد بلغَ حدّاً خطيراً، حتّى وصلَ الأمرُ إلى وقوعِ حالاتِ زِنا المَحارم. حينها طرحَ بعضُهم تساؤلاً قائلين: "إنّ الشذوذَ الجنسيَّ محميٌّ قانونيّاً من قِبَلِ الدولة." لكنّ معيارَ الحُكمِ على كونِ الشيء جيّداً أو سيّئاً لا يتوقّفُ على موافقةِ فردٍ أو جماعة؛ إذ إنّ الإنسانَ يَحكُمُ على الخيرِ والشرِّ بناءً على مفاهيمِه الذاتيّة. الناسُ يقيسون الخيرَ والشرَّ وفقاً لمعاييرِهم الخاصّةِ ويقولون: "أرى أنّ هذا الشخصَ جيّدٌ …" أو "هو يُعاملني بشكلٍ جيّدٍ، إذن سأعتبرُه إنساناً جيّداً." وقد تكونُ لديهم مفاهيمٌ راسخةٌ؛ فإذا انسجمَ شخصٌ ما مع تلك المفاهيمِ اعتبروه جيّداً. وينطبقُ الأمرُ نفسُه على الجماعات؛ فإذا كان شيءٌ ما يُحقّقُ مصلحةَ الجماعة أو يُساعدها على بلوغِ هدفٍ معيّنٍ، حَكَمَت عليه بأنّه جيّدٌ ووافقت عليه، مع أنّه ليس بالضرورة جيّداً في ذاتِه. أمّا المبادئُ الكونيّة - "فا بوذا" - فتبقى ثابتة لا تتغيّر، وهي المعيارُ الوحيدُ للحُكمِ على البشرِ وكلِّ ما في الوجود، وهي المقياسُ للتمييز بين الخيرِ والشرّ. لقد قلتُ للطلابِ في الغرب: "لأكونَ صريحاً تماماً، قد توافقُ حكومتُكم على ذلك، لكنّ ربَّكم لا يوافق!" في كلِّ مرّةٍ تصِلُ فيها البشريّةُ إلى هذا الحدّ، تكونُ في خطرٍ شديدٍ وتخرجُ عن السيطرة. والآن، وقد آلتِ الأوضاعُ إلى ما هي عليه، إنِ استمرّت البشريّةُ على هذا المنوال، فكيف سيكونُ الحالُ في المستقبل؟! لقد قال بوذا شاكياموني: "في عصرِ نهايةِ الـ"فا"، سيتجسّدُ عددٌ هائلٌ من الشياطين في هيئةِ بشر، وسيُصبحون رهباناً وراهباتٍ في المعابدِ بهدفِ تقويضِ الـ"فا"." وخصوصاً في تايوان، هناك العديدُ من الرّهبانِ والعلمانيّين المشهورين جداً الذين هُم في الحقيقةِ شياطين؛ يُطلِقون على أنفسِهم لقبَ "قادة دين"، لكنّهم لا يُدركون أنّهم شياطين. لقد خطّطوا لمسارِ حياتِهم كلّه قبلَ أنْ يتجسّدوا ويأتوا إلى هذا العالم، وهُم الآن يَسيرون وِفقَ خطّتِهم المُسبقة لإحداثِ الضّرر. لقد أصبح العالمُ البشريُّ في هذه المرحلةِ مُخيفاً ورهيباً إلى حدٍّ كبير. في الهند، يوجدُ عددٌ من المعلّمين المشهورين الذين يُلقَّبون بالمعلّمين الكبار، وقد تلبّستْ غالبيّتَهم ثعابينُ البايثون. وفي الصين، هناك عددٌ غيرُ قليلٍ من معلّمي التشيغونغ الذين تلبّستهم ثعالبُ أو بناتُ عرس، كما يوجدُ مَن تلبّستْه ثعابينُ أيضاً. إنّ عصرَ نهايةِ الـ"فا" هو زمنُ الفوضى. يُقالُ إنّ رئيسَ طائفةِ "أوم شينريكيو" في اليابان هو تجسّدٌ لشبحٍ من الجحيمِ جاءَ إلى عالمِ البشرِ لإثارةِ الفوضى. يعيشُ الناسُ وسطَ كلّ ذلك، وبسببِ انشغالِهم بشؤونِ العالمِ البشريّ لا يَجدون وقتاً للتفكيرِ في مثلِ هذه الأمور. قد يشعرون بأنّ هناك شيئاً غيرَ طبيعيٍّ في العالم، لكنّهم لا يُدرِكون مدى الانحرافِ الذي وصلَت إليه البشريّة. وعندما يُصارَحون بالحقيقة، يُصابون بالذهول.

 

لذلك لم يكُن قراري بنشرِ هذه الـ"فا" بدافعِ فكرةٍ مُفاجئةٍ أو نزوةٍ عابرة، فقد واجَهْتُ طوالَ الطريقِ أشكالاً مختلفةً من التدخّلاتِ والتعطيلات. أنتَ تنشرُ التعاليمَ الصحيحة، وهو ينشرُ الِبدع، وهناك مَن يتظاهرون بأنّهم على الصراطِ المستقيمِ ويحثّون الناسَ على فعلِ الخير، لكنّ هدفَهم ليس الخير ذاته؛ إنّهم في الأصل لا يتحمّلون النور. لقد بدأ التشيغونغ في البدايةِ على نحوٍ سليم، لكنّه أخذَ منذُ ذلك الحينِ منحىً مُنحرفاً، وأصبحَ من الصّعبِ جداً العثورُ على مكانٍ نقيٍّ وطاهرٍ في العالمِ اليوم.

 

 

البشريّة في زمن نهاية الـ"جيي"

 

إنّ الكثيرَ من الأديانِ المستقيمةِ في العالمِ لم تعُد قادرةً على تخليصِ البشر، والسببُ الرئيسيُّ في ذلك هو أنّ نصوصَ بعض الأديانِ الأصليّةِ قد تمّ تحريفُها على يدِ الأجيالِ اللاحقة، كما أُسيء فَهمُ تعاليمِها، حتّى أصبحَ يُنظَرُ إليها اليومَ على أنّها مجالٌ دراسيٌّ أو مجرّدُ نوعٍ من المعرفة. فعلى سبيلِ المثال، تُعامَلُ البوذيّةُ اليوم كما لو كانت مجرّدَ فلسفة، وكلُّ ما لا تستطيعُ العلومُ الحديثةُ تفسيرَه يُعدُّ دون استثناءٍ ضرباً من خيالِ القدماءِ أو مجرّدَ أساطيرَ بدائيّةٍ وتقاليدَ موروثة. أمّا الرّهبانُ البوذيّون والمسيحيّون، فكثيرٌ منهم لا يفعلون سوى قراءةِ الكتب، من دون أنْ يُمارسوا التعهّدَ مُمارسةً حقيقيّة. وقد تحوّلت المعابدُ إلى مجتمعاتٍ صغيرةٍ تملؤها المكائدُ والصراعاتُ على المناصب والمراتب. بعضُهم يستغلّون ما آلت إليه البوذيّةُ من تدهورٍ لتحقيقِ مصالحِهم الشخصيّة، وقد غرِقوا في التعلّقاتِ إلى درجةٍ جعلتهم أدنى حتّى من الناسِ العاديّين. فكيف يمكنُ لهم أنْ يُخلِّصوا الآخرين وهُم عاجزون عن تخليصِ أنفسِهم؟ وقد ألّف بعضُ الرهبانِ البوذيّين والطاويّين ورجالِ الدينِ المسيحيّين المشهورين كتباً اعتماداً على مفاهيمِهم الشخصيّةِ وفَهمِهم المحدودِ للنّصوصِ الأصليّة، ففسّروا السوطرا البوذيّةَ والإنجيلَ تفسيراً اعتباطيّاً، ممّا أضلَّ الناسَ وأبعدَهم عن الطريق. إنّ كلماتِ كبارِ المستنيرين تحمِلُ معانيَ عميقةً للغاية، مع استمرارِ ارتقاءِ المُمارسين في المستوياتِ والمقامات، يمكنُ لـ "فا بوذا" أنْ توجّهَهم على كلِّ مستوى من تلك المستويات. وأيُّ فعلٍ يُغيّرُ كلماتِ كبارِ المستنيرين الأصليّة يُعَدّ تقويضاً للـ"فا". 

 

تلك التفسيراتُ المزعومة، التي يُفترضُ بها أنْ تساعدَ الناسَ على فَهمِ السوطرا البوذيّة والإنجيل، بعيدةٌ كلّ البُعدِ عن الجوهرِ الحقيقيِّ لكلماتِ البوذا، وتختلفُ عنها اختلافاً تامّاً. ما استطاعَ هؤلاء فهمَه كان محدوداً، إذ لم يُدركوا إلّا ما يتوافقُ مع مستوياتِهم الخاصّة، والتي لا تتجاوزُ كثيراً مستوى الإنسانِ العاديّ. أمّا ما يتعلّقُ بالمستوياتِ العُليا، فليس لديهم أيُّ علمٍ به، لأنّ تعهّدَهم لم يصلْ بعْد إلى تلك المستويات. فكيف يُمكنُ للمرءِ أنْ يُدركَ المعنى الحقيقيَّ لكلماتِ التاثاغاتا على المستوياتِ العُليا إذا لم يرتق هو نفسُه إلى مستوى التاثاغاتا؟ إنّ مثلَ تلك النصوصِ لا تفعلُ سوى تقويضِ الـ"فا"، ولا تستطيعُ تخليصَ أحدٍ. أمّا الكتبُ التي ألّفَتْ بدافعِ السعي وراء الشهرةِ والثروة، فإنّها تُدخِلُ المُمارسين في الإطارِ الفكريِّ لكاتبيها. والأسوأ من ذلك أنّ بعضَ الأشخاصِ يذهبون أبعدَ من ذلك داعين إلى تعديلِ الدين ليتوافقَ مع متطلّباتِ المجتمعِ الحاليّ، ممّا يغيّرُ جوهرَ الدين. إنّ "فا بوذا" هي مبدأُ السماءِ والحقيقةُ الإلهيّةُ الثابتة؛ فهي لا تتغيرُ ولا يمكنُ تدميرُها، تماماً مثلُ الـ "فاجرا". ومع ذلك، يريدُ بعضُ الناسِ أنْ تتكيّفَ "فا بوذا" مع البشريّةِ الفاسدةِ أخلاقيّاً، بدلاً من أنْ ترتقيَ البشريّةُ من جديدٍ باتّباعِ "فا بوذا". يُمكنُ للمرءِ أنْ يتخيّلَ مدى عِظَمِ الخطيئةِ والكارما الناتجةِ عن ذلك. ولا سيّما أولئك الذين ألّفوا كتباً لتفسيرِ السوطرا كما يشاؤون قد ألحقوا ضرراً بالغاً بالـ "فا" المستقيمة، وهُم في الحقيقةِ منذُ زمنٍ طويلٍ في الجحيمِ.

 

على مدار حيواتِهم السابقة، ارتكبَ البشرُ الكثيرَ من الآثامِ وراكموا كميّاتٍ هائلةً من الكارما، وهذا أحدُ العواملِ التي تجعلهم غيرَ قادرين على امتلاكِ إيمانٍ مستقيم. وقد مارسَ بعضُهم التعهّدَ في حياةٍ سابقة، لكنّهم لم يُحسنوا ممارستَه، ولم يتمكّنوا من التخلّصِ من كثيرٍ من التعلّقات، فلم يُحرزوا تقدّماً حقيقيّاً، واكتفوا بنيلِ قدْرٍ ضئيلٍ من البركات. وعندما يولدون من جديدٍ كبشر، فإنّهم عادةً ما يمتلكون قدراتٍ"خارقة"، وقد تستطيعُ عينُهم السماويّةُ في المستوياتِ المنخفضةِ رؤيةَ بعضَ الظواهرِ في العوالمِ الأخرى. عندها، وبدافعِ القلبِ البشريّ الذي يسعى وراء الشهرةِ والثروة، يبدؤون بتأسيسِ طوائفَ دينيّةٍ مختلفة. للوهلةِ الأولى يبدو أنّهم يدعون الناسَ إلى الصلاح، لكنْ في أعماقِ قلوبِهم يبتغون الشهرةَ والثروة، وتبقى أهدافُهم الخفيّةُ بعيدةً عن نورِ الحقيقة. أمّا المستنيرون العظماء فلديهم عوالمهم الخاصّة (ممالك سماويّة) وهُم قادرون على تخليصِ الناسِ إليها؛ لكنْ أيَّ خلاصٍ يُمكنُ أنْ يقدّمَه أولئك الذين لم يبلغوا الاستنارة؟ وكذلك الأمرُ بالنسبةِ إلى معلّمي التشيغونغ الزائفين؛ بعضُهم يريدُ أنْ يُصبحَ بوذا، وبعضُهم يتوهّمُ أنّه كان بوذا في حياةٍ سابقة. ومِن بين أتباعِهم هناك مَن تستحوذُ عليهم الحيوانات، فينشدون ترانيمَ المديحِ لذلك المعلّمِ الزائفِ ويُطلقون عليه لقبَ "المعلّم الموقّر" أو ما شابَه ذلك، فيستبدّ به شعورٌ غامرٌ بالفرح. كلُّ ذلك ليس سوى خداعٍ للنفسِ وللآخرين؛ فهُم في حقيقتِهم أشباحٌ أو شياطينُ متجسّدةٌ جاؤوا لبثِّ الفوضى في عالمِ البشر.

 

لقد تحوّلَ العالمُ البشريُّ إلى فوضى عارمةٍ بفعلِ أهلِ البِدعِ والشرّ. فعلى مدارِ آلافِ السنين، توالتْ الدياناتُ الزائفةُ والهرطقات، إضافةً إلى كثيرٍ من الدياناتِ المُعدّلة، ممّا جعلَ التمييزَ بين الحقِّ والباطلِ بالغَ الصعوبة. إنّ تعاليمَ هذه الدياناتِ ودياناتِ السحرِ (الشامانيّة) كلّها شرّيرة، ومع ذلك ما زالَ بعضُ الناسِ يُصدّقون زعماءَها ويقدّسونهم. أليس هذا دليلاً على ضياعِ القيمِ الإنسانيّة؟ لماذا يَسلُكُ بعضُ البشرِ طريقاً شيطانيّاً؟ معظمُ هؤلاء يسعوْن وراء تقنيّاتٍ لإلحاقِ الضرر بالآخرين، وقلوبُهم مملوءةٌ بالرّغبةِ في الأذى، ولا يفكّرون أبداً فيما سيؤولُ إليه أمرُهم في المستقبل. لقد دخلتْ الأديانُ المستقيمةُ عصرَ نهاية الـ"فا"، ولم تعُد قادرةً على تخليصِ البشر. وقد نزلتْ جحافلٌ من الشياطين إلى العالمِ لتعطيلِ الـ"فا" وإثارةِ الفوضى فيه. لم تعُد "فا" القلب تقيّدُ البشر، ولم تعُد المعاييرُ الأخلاقيّةُ توجّههم. مدفوعين من قِبل الشياطين، لا يتورّعون عن ارتكابِ أيّ شرّ، فيما تنهارُ القِيَمُ والمعاييرُ الأخلاقيّةُ بوتيرةٍ متسارعةٍ تُنذِرُ بالخطر. لقد تغيّرت طرُقُ تفكيرِ الإنسانِ ومفاهيمُه تغيّراً كاملاً: فلم يعُد الجميلُ محبوباً كما كان، وأصبح القبيحُ أكثرَ قبولاً منه، ولم يعُد الفاضلُ أرفعَ شأناً من الشرّير، كما لم يعُد الخيرُ مرغوباً كالشرّ. وغدا المرتَّبُ النظيفُ أقلَّ قيمةً من الفوضويّ المُبعثر، ولم يعُدِ الجديدُ أفضلَ من القديم، وأصبحَ العَطِرُ أقلَّ قبولاً من العَفِن. لقد أصبحَ الرجالُ اليومَ يميلون إلى إطالةِ شعرِهم، في حين تميلُ النساءُ إلى تقصيرِه، وهذا انعكاسٌ لهيمنةِ الـ"يين" وضُعفِ الـ"يانغ"، أي انقلابٌ في اليين واليانغ. في الفنونِ التشكيليّةِ لم تعُدْ هناكَ قواعدُ أخلاقيّةٌ، بل أصبحت الأعمالُ تسعى إلى إطلاقِ العنانِ للطبيعةِ البشريّةِ، ممّا يُفضي إلى انفلاتِ الطبيعةِ الشيطانيّة. وأصبحت مدارسُ مثلَ الانطباعيةِ والفنِّ التجريديّ، التي تُرسَمُ فيها الأشياءُ وفقَ الأهواءِ، وسطَ فوضى الألوان واللمساتِ العشوائيّة، مقبولةً اليوم في ظلِّ المفاهيمِ البشريّةِ المُنحرفة. يُمكنُ ببساطةِ إلقاءُ كومةٍ من النفاياتِ ثمّ تقديمُها على أنّها عملٌ فنيّ، ويُزعَمُ أنّها من إبداعِ فنّانٍ مُعاصرٍ "عظيم" في النحت. وكذلك الحالُ في الموسيقى؛ فقد ظهرتْ أنواعٌ مثل "الديسكو" و"التكنو" و"الروك أند رول"، حيثُ يَعتلي الناسُ المنصّاتِ في القاعاتِ الفخمةِ ليُطلقوا ضجيجاً صاخباً، وأصبحَ ذلك مقبولاً اجتماعيّاً. ومع قليلٍ من الترويجِ عبر الراديو والتلفزيون، يُرفعُ الأشخاص ذوو العاهاتِ، أو ذوو الأصواتِ النشاز، أو أصحابُ الهيئاتِ المنفّرةِ إلى مرتبةِ النجوميّة. أمّا ألعابُ الأطفال، فكلّما ازدادتْ قُبحاً ووحشيّةً ازدادَ رواجُها ومبيعُها. 


تحتَ تأثيرِ الأفكارِ غيرِ المستقيمة، تغيّرت الأمورُ التي يَسعى إليها البشرُ تغيّراً جذريّاً. من أجلِ الشهرةِ والثروةِ يُقتلُ الناس، وتُحرَقُ البيوت، وتُلفَّقُ التُهم، وتُحاكُ المؤامرات. أصبحَ المالُ هو كلّ ما يشغلُ الناس، ولم يعُد الإنسانُ ولا الأسرةُ موضعَ تقديرٍ، وأصبحتْ العلاقاتُ قائمةً على المصالح الماديّة فقط. وبسببِ المالِ تُرتكَبُ شتّى أنواعِ الفظائع. تنتشرُ السلعُ وموادُّ الدعايةِ والتسجيلات الصوتيّة والمرئيّة التي تروّجُ للفجورِ الجنسيّ في كلِّ مكان، ومن أجلِ المالِ لا يتورّعُ الناسُ عن إيذاءِ الآخرين؛ يُنتجون المخدّراتِ ويُتاجرون بها، ولشراءِ هذه المخدّراتِ الباهظةِ لا يتوانى المُدمنون عن استخدامِ أيّ وسيلةٍ مُمكنة، فيَسرقون ويَحتالون ويَعتدون للحصولِ على المال. وقد باتت البرامجُ التلفزيونيّةُ والصُحفُ والمجلّاتُ تزخَرُ بترويجِ ما يُسمّى بالتحرّرِ الجنسيّ، حتّى إنّ الأمرَ وصلَ لدى بعضِ الناسِ إلى حدِّ ارتكابِ زنا المحارمِ بين الأجيال. أمّا ظاهرةُ المثليّة الجنسيّة المُقزّزة، فهي تمثّلُ حالةً من الانحطاطِ الأخلاقيِّ والفكريِّ فَقَدَتْ كلَّ عقلانيّةٍ ومَنطق. وقد بلغَتْ الجريمةُ المنظّمةُ حدّاً خطيراً، حتّى أصبحت تتسلّلُ إلى كلِّ زاوية، وتستقطِبُ بعضَ فئاتِ الشبابِ الذين تدفعُهم طبيعتُهم الشيطانيّةُ إلى الانحرافِ ومُمارسة العُنف. وقد أصبحَ زعماءُ هذه العصاباتِ قدوةً ومثالاً أعلى في المجتمع، يتقاطرُ الناسُ إليهم واحداً تلوَ الآخر.

 

لقد تنبّأ العديدُ من المُستنيرين العظماءِ والأنبياءِ عبرَ التاريخ بأنّ البشريّةَ في هذا الزّمانِ ستواجِه كارثةً كبيرة. أمّا حالُ البشرِ اليوم، فهو أسوأُ حتّى ممّا تنبّأ به الأنبياء، إذ أصبحَ عددُ الأشخاصِ الصالحين قليلاً جداً. وبسببِ كثرةِ الآثامِ التي ارتكبَها الناسُ على مدى حيواتِهم المتعدّدة، وما راكموه من كارما هائلة، فإنّهم يواجهون المتاعبَ منذُ لحظةِ خروجِهم من منازلِهم. لكنّهم لا يُدركون أنّهم إنّما يُسَدِّدون ما ارتكبوه من أذىً في حيواتِهم السابقة، ويُزيلون بذلك شيئاً من الكارما المتراكمةِ لديهم. فإذا أساءَ إليهم الآخرون، لا يُبدون أدنى قدْرٍ من التسامحِ أو الصّبر، بل يفكّرون: "لقد أسأتَ إليّ، إذن سأكونُ أشدَّ إساءةً منك".  ما دام أحدٌ لا يستفزّهم، فإنّهم لا يستفزّون أحداً؛ أمّا إذا استفزّهم الآخرون، فإنّهم يَردّون فوراً وبقسوةٍ أشدّ. وهكذا يُراكمون كارما جديدة قبل أن يُسَدِّدوا القديمة، وتتكدّسُ الكارما على أجسادِهم إلى حدٍّ مُخيف! لقد تدهورت معاييرُ الأخلاقِ لدى البشرِ بسرعةٍ هائلة، وأصبحت البشريّةُ على شفيرِ خطرٍ داهمٍ. في الحقيقة، ساهمَ كلُّ إنسان، حياةً بعد حياة، في فسادِ الأخلاقِ البشريّةِ وتفاقمِ سوءِ الأحوال. وكلُّ مرّةٍ حلّتْ فيها كوارثُ "الجيي"، كانت القيمُ الأخلاقيّةُ للبشريّةِ قد تدهورت. وهذه بالضبط هي مظاهرُ زمنِ نهايةِ "الجيي".

 

 

التعهّد الحقيقيّ

 

أيّها التلاميذ، يا مَن تُمارسون التعهّدَ حقّاً! ما أُعلِّمُكم إيّاه هو الـ"فا" التي يُمكنُ من خلالِها بلوغُ مقامِ البوذا أو الطاو. ومع ذلك، تشتكون إليّ من فُقدانِ بعضِ المصالحِ الشخصيّةِ بين الناسِ العاديّين، بدلاً من أنْ يُقلقَكم عدمُ قدرتِكم على التخلّي عن التعلّقاتِ الدنيويّة. أهذا يُعَدُّ تعهّداً؟  إنّ قدرتَكم على التخلّي عن التعلّقاتِ البشريّةِ تُمثّلُ اختباراً مصيريّاً في طريقِكم نحوَ الألوهيّة. يجبُ على كلِّ مُمارسٍ حقيقيٍّ أنْ يجتازَ هذا الاختبار، فهو الحدُّ الفاصلُ بين المُمارسِ والإنسانِ العاديّ.

 

في الحقيقة، إذا شعرتُم بالألمِ حيالَ ما يَمسُّ سمعتَكم أو مصالحَكم الشخصيّةَ أو مشاعرَكم بين الناسِ العاديّين، فهذا يدلُّ على أنّكم لم تتخلّوا بعْد عن التعلّقاتِ البشريّة. تذكّروا كلماتي: التعهّدُ بحدِّ ذاتِه ليس مؤلماً؛ وإنّما تكمنُ المشكلةُ الحقيقيّةُ في عدمِ قدرتِكم على التخلّي عن تلك التعلّقات. ولنْ تشعروا بالمُعاناةِ حقاً إلّا عندما تكونون على وشكِ التخلّي عن سمعتِكم ومصالحِكم ومشاعرِكم.

 

لقد سقطْتُم من عالمٍ مُقدّسٍ بديعٍ لا نظيرَ له، لأنّكم على تلك المرتبةِ كوّنتُم تعلّقات. وبالمقارنةِ مع ذلك العالم، فقد هبطتُم إلى أدنى العوالمِ وأقذرِها، ومع ذلك لم تُسارعوا إلى التعهّدِ للعودة، ولا تزالون تتمسّكون بالأشياءِ الدَنسةِ في هذا العالم، وتتألّمون بسببِ خسائرَ تافهة. ألا تعلمون أنّ البوذا، من أجلِ خلاصِكم، مدَّ يدَه ذاتَ يومٍ بين الناسِ العاديّين طالباً الصّدقات؟ وها أنا اليومَ أفتحُ من جديدٍ هذا البابَ العظيم، وأُعلّمُ الدافا لتخليصكم. وبِرغمِ ما اجتزْتُه في سبيلِ ذلك من مِحَنٍ لا تُحصى، لم أعتبرْها يوماً مُعاناة. فما الذي بقيَ لديكم بعْدُ ممّا لا تستطيعون التخلّي عنه؟ وهل يُمكنُكم أن تحمِلوا إلى العوالمِ السماويّةِ ما لم تتخلَّ عنه قلوبُكم؟

 

 

صفاء الذهن والمنطق السليم

 

لقد قلتُ لبعضِ المُمارسين سابقاً إنّ الأفكارَ المتطرّفةَ تنشأ عن كارما الأفكار، غيرَ أنّ العديدَ من التلاميذ أصبحوا يعتبرون كلَّ أفكارِهم السيّئةِ اليوميّةِ نوعاً من كارما الأفكار، وهذا غيرُ صحيح. فماذا سيتبقّى لكم لتتعهّدوه إذا لم تعُد لديكم أيُّ أفكارٍ سيّئة؟ إنْ كنتم بهذه الدرجةِ من النّقاء، أفلا تكونونُ حينَها بوذا بالفعل؟ هذا الفهمُ خاطئٌ. وحدَها تلك الأفكارُ القذرةُ التي تندفعُ بشدّةٍ في رؤوسِكم وتشتمُ المعلّمَ أو الدافا أو الآخرين، والتي لا تستطيعون التخلّصَ منها أو كبحَها، تُعدُّ كارما الأفكار. وهناك أيضاً نوعٌ ضعيفٌ من كارما الأفكار، يختلفُ عن الأفكارِ أو المفاهيم العاديّة. يجبُ أنْ تكونوا على وعيٍ تامٍّ بهذا الأمر.

 

 

الاستنارة

 

عالمُ البشرِ عكرٌ ومُضطرب، تختلطُ فيه اللآلئُ بعيونِ الأسماك. يَنزِلُ التاثاغاتا إلى العالمِ من غيرِ أنْ يلفِتَ الأنظار، ودون إعلانٍ مُسبقٍ أو ضجيج. وعندما ينشرُ الـ"فا"، لا بدّ أنْ تتدخّلَ المُمارساتُ الشرّيرة؛ فالشرُّ ينتشرُ جنباً إلى جنبٍ مع الطاو، يعيشان معاً في هذا العالم. حين يمتزِجُ الحقُّ بالباطل، يكونُ التمييزُ بينهما رهيناً بدرجةِ الاستنارة، ولا يستطيعُ التمييزَ بينهما إلّا مَن ارتقت مرتبتُه وسَمتْ فطرتُه. هناك أشخاصٌ نُبلاء، لديهم رابطةٌ قدريّة، يأتون واحداً تلوَ الآخر بفضلِ قدرتِهم على الاستنارة، فيدخلون الطريق وينالون الـ"فا". يُميّزون بين المستقيمِ والشيطانيِّ، ويَظفرون بالنّصوصِ الحقيقيّة، فتخفُّ أعباءُ أجسادِهم، وتفيضُ حكمتُهم، وتمتلئُ قلوبُهم. يُبحرون بطمأنينةٍ على سفينةِ الـ"فا". يا لها من عظمة! يجتهدون بلا كللٍ، ويتقدّمون بثباتٍ نحوَ الكمال.

 

أمّا الضّالون في هذا العالم، الذين يصعُبُ عليهم بلوغُ الاستنارة، فيعيشون من أجلِ المالِ ويموتون من أجلِ السلطة؛ يفرحون ويغضبون لأتفهِ الأمور، ويتنافسون ويُقاتلون بضراوة، فيُراكمون الكارما طوالَ حياتِهم. وإذا سمعَ هؤلاء الـ"فا"، سَخِروا منها واعتبروها خُرافة، إذ يصعُبُ عليهم فهمُها أو الإيمانُ بها. إنّ مستواهم متدنٍّ، ومن الصّعبِ تخليصُهم؛ هُم مُثقلون بالكثيرِ من الكارما، أجسادُهم مُغلقة، حكمتُهم محجوبة، وطبيعتُهم الأصليّةُ ضائعة.

 

 

لماذا لا يرى المرء

 

"ما يُرى يُمكنُ تصديقُه، وما لا يُرى لا يُمكنُ تصديقُه"؛ هكذا يفكّرُ الإنسانُ ذو المستوى الأدنى. فالناسُ تائهون في الوهمِ، ويَخلقون الكثيرَ من الكارما. وإذا ضلَّت طبيعتُهم الفطريّة، فكيف لهم أنْ يُبصروا ما هو غيرُ مرئيٍّ؟ إنّ الاستنارةَ يجبُ أنْ تسبِقَ الرؤية. إذا تعهّدتَ قلبَك وتخلّصتَ من الكارما، وظهرَت طبيعتُك الفطريّة، ستتمكّنُ عندئذٍ من الرؤية. أمّا الإنسانُ رفيعُ المستوى، سواءٌ استطاعَ أنْ يرى أم لا، فالأمرُ سيّان، إذ يُمكنُه بلوغُ الكمالِ بالاعتمادِ على الاستنارةِ وحدها. من بين الناس، هناك مَن يرى وهناك مَن لا يرى، ويتحدّدُ ذلك بمستواهم الرّوحيّ وجودتِهم الفطريّة. ومِن بين المُمارسين أيضاً، هناك كثيرون لا يروْن لأنّهم يسعوْن وراء الرؤية، وهذا يُعدُّ شكلاً من أشكالِ التعلّق. من دونِ التخلّي عن هذا التعلّق، لنْ يكونَ بمقدورِهم أنْ يروْا مطلقاً. وغالباً ما يكونُ السببُ في ذلك أنّ الكارما تُعيقهم، أو أنّ البيئةَ غيرُ مناسبة، أو أنّ طريقةَ المُمارسةِ نفسَها تقتضي ذلك؛ فالأسبابُ مُتعدّدة، وتختلفُ من شخصٍ إلى آخر. أمّا الأشخاصُ الذين يروْن، فليس بالضرورةِ أنْ تكونَ رؤيتُهم واضحةً دائماً. إنّ عدمَ الرؤيةِ بوضوحٍ هو ما يمكّنُهم من الاستنارةِ إلى الطاو. إذا كان المرءُ يرى كلَّ شيءٍ بوضوح، وكأنّه حاضرٌ في المكانِ بنفسِه، فهذا يعني أنّ الغونغ لديه قد أُطلِقَ. عندئذٍ، لا يعودُ بإمكانِه مواصلةُ التعهّد، لأنّه لم يَعُد هناك ما يُمكنُ الاستنارةُ إليه.

 

 

دراسة الـ"فا"

 

عندَ تعلّمِ الدافا، ينبغي على الأشخاصِ المثقّفين أنْ يولوا اهتماماً خاصّاً لمشكلةٍ بارزةٍ، ألا وهي دراسةُ الـ"فا" بالطريقةِ نفسِها التي يَدرُسُ بها الناسُ العاديّون النصوصَ النظريّةَ أو الأيديولوجيا السياسيّة، أي بالاعتمادِ على اقتباساتٍ مُنتقاةٍ من شخصيّاتٍ بارزةٍ، وجعلِها معياراً لقياسِ سلوكِهم الشخصيّ. هذا الأسلوبُ يُعيقُ تقدّمَ المُمارسِ في مسارِ تعهّدِه. وهناك أيضاً من يسمعُ أنّ للـ"فا" معانيَ عميقةً ومضامينَ رفيعةَ المستوى، تهدفُ إلى توجيهِ المُمارسين على مستوياتٍ مختلفة، فيحاولُ فهمَ كلِّ كلمةٍ على حِدة، وفي النهايةِ لا يستفيدُ شيئاً. هذه العاداتُ التي ترسّختْ نتيجةَ الدراسةِ الطويلةِ للنظريّاتِ السياسيّة، تمثّلُ عائقاً في مسارِ التعهّد، وقد تؤدّي إلى فهمٍ خاطئٍ للـ"فا".

 

عندَ دراسةِ الـ"فا"، لا ينبغي أنْ تبحثوا عن مقطعٍ مُعيّنٍ بهدفِ حلِّ مشكلةٍ مُحدّدة، فهذا في حقيقةِ الأمرِ شكلٌ مُقنَّعٌ من التعلّق (باستثناء المشكلات العاجلة التي تتطلّب معالجة فوريّة). الطريقةُ الوحيدةُ للفهمِ الحقيقيّ للدافا هي دراستُها من دونِ أيِّ نيّةٍ أو هدفٍ مُحدّد. ففي كلِّ مرّةٍ تنهون فيها قراءةِ كتابِ "جوان فالون" بالكاملِ وتكتسبون فهماً أعمق، تكونون قد ارتقيتُم بالفعل. حتّى لو اقتصرَ فهمُكم على نقطةٍ واحدةٍ فقط بعدَ القراءة، فهذا يعني أنّكم قد أحرزتُم تقدّماً حقيقيّاً.

 

في مسارِ التعهّد أنتُم ترتقون تدريجيّاً من دون أنْ تدركوا ذلك أو تشعروا به. تذكّروا دائماً: عندما تتخلّون عن السّعي وراء الأشياء، تأتيكم الأشياءُ من تلقاءِ نفسِها! 

 

 

كيف يؤدّي المشرف دوره

 

في مُختلفِ المناطق يوجدُ العديدُ من المُشرفين الذين يمتلكون فهماً عميقاً للدافا، وهُم حقاً قدوةٌ حسنةٌ ويُديرون مواقعَ التمارينِ بكفاءةٍ عالية. لكنْ بالمُقابل، هناك بعضُ المُشرفين الذين لم يُحسنوا أداءَ مهامّهم، ويظهرُ ذلك بشكلٍ خاصٍّ في أساليبِ عملِهم. فعلى سبيلِ المثال، يتعاملُ بعضُهم بأسلوبِ الآمرِ الناهي، ويُديرون مواقعَ التمارين كما لو كانوا أصحابَ سلطة، ويتوقّعون من التلاميذِ الطاعةَ دونَ نقاش. هذا الأسلوبُ مرفوضٌ تماماً. إنّ دراسةَ الـ"فا" عملٌ طوعيّ، وإذا لم تنبعْ من قلبِ المُمارس، فلن تُحَلَّ أيّةُ مشكلة، بل قد تنشأ صراعاتٌ لا محالة. وإذا لم يُصحَّح هذا الأسلوب، فستتفاقمُ الصّراعات، ممّا يُعرقلُ دراسةَ الـ"فا" بشكلٍ خطير.

 

والأسوأُ من ذلك أنّ بعضَ المُشرفين كثيراً ما ينشرون الشائعاتِ أو يُثيرون البلبلة؛ يريدون بذلك أنْ يطيعَهم التلاميذُ ويَثِقوا بهم، ومن جهةٍ أخرى، يسعوْن إلى رفعِ مكانتِهم الشخصيّة. وهناك مَن يختلِقُ أموراً لمجرّدِ التفاخر. كلُّ هذا غيرُ جائز. إنّ مُشرفينا يخدمون الآخرين طوعاً ودونَ مقابل، هُم ليسوا المعلّم، ولا ينبغي أنْ ينشأَ لديهم مثلُ هذا التعلّقِ مُطلقاً.

 

كيف نُحسِنُ أداءَ دورِ المشرفِ إذن؟ أوّلاً، ينبغي لك أنْ تعتبرَ نفسَك واحداً من التلاميذ، لا أنْ تتعالى عليهم. وإذا واجهْتَ أمراً لا تعرفُ كيف تتعاملُ معه، فناقشْه مع الجميعِ بتواضع. وإنْ أخطأتَ في شيء، فاعترف بذلك أمام التلاميذِ بإخلاص: "أنا مُمارس مثلكم، ومن الطبيعيّ أنْ أقعَ في الأخطاءِ أثناء العمل. لقد أخطأتُ في هذا الأمر، فلنُصحّحه الآن." إذا كانت لديك رغبةٌ صادقةٌ في إنجازِ الأمورِ مع الآخرين على نحوٍ جيّد، فكيف ستكونُ النتيجةُ برأيك؟ لنْ يقولَ أحدٌ إنّك غيرُ كفء، بل سيرى الآخرون أنّك قد درسْتَ الـ"فا" بعمق، وأنّك شخصٌ واسعُ الصدرِ ورفيعُ الأخلاق. في الحقيقة، لقد أصبحت الدافا مُتاحةً الآن، وجميعُ المُمارسين يتعلّمونها. إنّ كلَّ سلوكٍ وتصرّفٍ يَصدُرُ عن المُشرفِ يَقيسُه التلاميذُ وفقاً للدافا، ويميّزون ما إذا كان حسناً أم سيّئاً. إذا سعيْتَ إلى رفعِ مكانتِك، فسوف يُلاحظُ التلاميذُ أنّ هناك خللاً في الشينشينغ لديك. لذلك لا يمكنُك إنجازُ الأمورِ على نحوٍ سليمٍ إلّا إذا كنتَ متواضعاً. إنّ مكانتَك تُقاسُ بمدى فهمِك الجيّدِ للـ"فا".  كيف يُمكنُ للمُمارسِ أنْ يكونَ معصوماً من الخطأ؟

 

 

ما هو "الفراغ"

 

ما المقصودُ بــ"الفراغ"؟ إنّ التحرّرَ من التعلّقاتِ هو الحالةُ الحقيقيّةُ للفراغ، وليس المقصودُ به الفراغ بالمفهومِ الماديّ. غير أنّ بوذيّةَ الزّن قد بلغَت عصرَ نهايةِ الدارما، ولم يعُد لديها ما تعلّمُه. في هذا العصرِ المُضطربِ من نهايةِ الدارما، لا يزالُ بعضُ الدارسين مُتمسّكين بعنادٍ شديد بمفهومِ الفراغ، ويتصرّفون بطريقةٍ غير عقلانيّةٍ وعبثيّة، وكأنّهم قد أدركوا جوهرَ فلسفتِها. لكنّ بودهيدارما، مؤسّسُ بوذيّة الزّن، صرّحَ بنفسِه أنّ الدارما التي علّمها لنْ تستمرَّ إلّا لستِّةِ أجيالٍ فقط، وبعدَ ذلك لنْ يبقى شيءٌ يُورّث. فلِمَ لا يفهمُ الناسُ ذلك؟ إذا قيلَ إنّ كلَّ شيءٍ "فراغ"، وإنّه لا وجودَ للـ"فا"، ولا للبوذا، ولا للمظهر، ولا للذات، ولا لأيِّ كينونة، فمَن يكون بودهيدارما إذن؟ وإذا لم يكُن هناك دارما، فما هو مبدأ الفراغِ في الزّن؟ وإذا لم يكُن هناك لا بوذا ولا مظهر، فمَن يكون شاكياموني؟ وإذا لم يكُن لك اسمٌ، ولا مظهرٌ، ولا ذاتٌ، ولا وجودٌ، وكان كلُّ شيءٍ "فراغاً"، فلماذا تأكلُ وتشرب؟ ولِمَ ترتدي الثياب؟ أفلا يكونُ الأمرُ سيّانٍ لو قُلِعَتْ عيناك؟ فلماذا إذن التمسّكُ بالمشاعرِ والرّغباتِ البشريّة؟ إنّ "الفراغ" الذي يتحدّثُ عنه التاثاغاتا يُشيرُ في الحقيقةِ إلى التجرّدِ الكاملِ من التعلّقاتِ البشريّة؛ خلوُّ القلبِ من الدنسِ هو المعنى الحقيقيُّ للـ"فراغ". إنّ الكونَ قائمٌ أساساً على المادّة، وهو مكوَّنٌ منها ويستمرُّ بها، فكيف يُمكنُ أنْ يكونَ "فارغاً"؟ أيُّ تعاليمٍ لم يُقدّمها التاثاغاتا لا يُمكنُ أنْ تدومَ طويلاً، ومصيرُها الحتميّ هو الزوال. كما أنّ تعاليمَ الأرهات ليست "فا بوذا". أدركوا ذلك! أدركوا ذلك! 

 

 

الثبات في التعهّد


عندما يكونُ المعلّمُ حاضراً، تكونون مُفعمين بالثقة، أمّا عندَ غيابِ المعلّمِ فيفتُرُ حماسُكم، وكأنّكم تتعهّدون من أجلِ المعلّمِ أو لمجرّدِ التسلية. هذه نقطةُ ضعفٍ كبيرة لدى الإنسانِ العاديّ. لقد غادرَ كلٌّ من شاكياموني ويسوع ولاو تسي وكونفوشيوس هذا العالمَ منذُ أكثرَ من ألفي عام، ومع ذلك لم يشعرْ تلاميذُهم يوماً أنّ التعهّدَ أصبحَ مُستحيلاً بغيابِ معلّميهم. فالتعهّدُ شأنُك أنتَ وحدَك، ولا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يقومَ به نيابةً عنك. المعلّمُ يوضّحُ فقط مبادئَ الـ"فا" على المستوى السطحيّ، أمّا تعهّدُ قلبِك وإزالةُ شهواتِك، فهذه مسؤوليّتُك أنت، لكي تتألّقَ حكمتُك وينقشعَ عنك الضلال. إذا دخلْتَ هذا الطريقَ لمجرّدِ التسلية، فلنْ يكونَ قلبُك ثابتاً؛ وإذا انغمسْتَ في الشؤونِ الدنيويّة، فسوف تَنسى لا محالة طبيعتَك الأصليّة. ومن دونِ الثباتِ على إيمانِك، لنْ تُحقّقَ شيئاً في هذه الحياة. ومَن يَدري متى ستُتاحُ لك رابطةٌ قدريّةٌ أخرى؟ إنّها نادرةٌ وصعبةُ المنال!

 

 

تعاليم البوذيّة هي أصغر وأضعف جزء من "فا بوذا"

 

أيّتُها الكائناتُ الواعية! لا يجوزُ لكم مُقارنةُ الدافا - القانونُ العظيمُ المتمثّلُ في "جين-شان-رن" - بالبوذيّة، فهي لا تُقارَنُ بها إطلاقاً. لقد اعتادَ الناسُ على تسميةِ السوطرا البوذيّة بـ"الفا"، لكنّ الحقيقةَ هي أنّ الأجرامَ السماويّةَ شاسعةٌ إلى حدٍّ يفوقُ إدراكَ البوذا للكون. كذلك فإنّ نظريّةَ الـ"تايجي" الطاويّة لا تمثّلُ سوى فَهمٍ محدودٍ للكونِ على المستوياتِ الدُنيا فقط. أمّا على مستوى الناسِ العاديّين، فلا توجدُ "فا" جوهريّة؛ توجدُ فقط بعضُ الظواهرِ الهامشيّةِ على أطرافِ الكونِ التي يُمكنُ من خلالِها مُمارسةُ التعهّد. وبما أنّ الناسَ العاديّين موجودون في أدنى مستوى، فلا يُسمَحُ لهم بمعرفةِ "فا بوذا" الحقيقيّة. لكنّ الناسَ سمِعوا الحُكماءَ يقولون: "مَن يُعظّم البوذا ويكرّمُه تَنشأُ له رابطةٌ قدريّةٌ تُتيحُ له مُمارسةَ التعهّدِ في الحياةِ القادمة، ومَن يُردِّدُ المانترا تَحميه الكائناتُ العُليا، ومَن يَلتزِمُ بالوصايا يرتقي إلى المستوى المطلوبِ للمُمارس." منذُ القِدَم كان الناسُ دائماً يتحرّوْن ويُناقشون ما إذا كانت كلماتُ الكائناتِ المُستنيرِةِ تُجسّدُ في جوهرِها "فا بوذا". إنّ تعاليمَ البوذا التاثاغاتا هي في الحقيقةِ تجسيدٌ لطبيعةِ البوذا، وتُعتبرُ أيضاً شكلاً من أشكال الـ"فا". لكنّها ليست الـ"فا" الحقيقيّة للكون، إذ لم يكُن مسموحاً للبشرِ في الماضي أنْ يعرفوا التجسّدَ الحقيقيَّ لـ"فا بوذا". ولم يكنْ بإمكانِ البشرِ إدراكُ ماهيّةِ "فا بوذا" إلّا بعدَ بلوغِ مستوىً أعلى من خلالِ التعهّد؛ ولذلك لم يكُن مسموحاً لهم بمعرفةِ جوهرِ التعهّدِ الحقيقيّ. والآن، ولأوّلِ مرّةٍ عبرَ التاريخ، كشفَت الفالون دافا للبشرِ خصائصَ الكون، أي "فا بوذا". هذا يعني أنّها مَنَحتهم سلّماً إلى السماء. فكيف لكم إذن أنْ تُقارنوا الدافا - القانون العظيم للكون - بما كان يُدرَّسُ سابقاً في البوذيّة؟

 

 

ما هي "الحكمة"

 

يُعظّمُ الناسُ الشخصيّاتِ البارزة في المُجتمع، مِن مشاهيرَ وعُلماءَ وخُبراء، غيرَ أنّهم في الحقيقةِ ضئيلو الشأنِ جداً، فهُم مجرّدُ بشرٍ عاديّين، ومعارِفُهم لا تتجاوزُ ذلك القدْرَ القليلَ الذي توصّلَتْ إليه العلومُ الحديثةُ في المجتمعِ البشريّ. في هذا الكونِ الشاسع، من المستوياتِ الماكروسكوبيّة إلى المستوياتِ الميكروسكوبيّة، تقعُ البشريّةُ تماماً في الوسطِ، على الطبقةِ الخارجيّةِ القُصوى والأكثرِ سطحيّةً. والكائناتُ في هذا المستوى تمثّلُ أدنى أشكالِ الوجود، لذلك تظلُّ معرفتُها بالمادّةِ والرّوحِ محدودةً جداً وسطحيّةً للغاية، بل ومُثيرةً للشفقة أيضاً. وحتّى لو أحاطَ أحدُهم بكلِّ معارفِ البشريّة، فإنّه سيظلُّ مع ذلك مجرّدَ إنسانٍ عاديّ.

 

 

تأجيل التعهّد إلى ما بعد التقاعد

 

إنّه لمِنَ المؤسفِ حقّاً أنّ بعضَ التلاميذِ الذين حَضروا دوراتي، وكانوا يتمتّعون بجودةٍ فطريّةٍ عالية، قد توقّفوا عن المُمارسةِ بسببِ انشغالِهم الشديدِ بأعمالِهم! لو كانوا أشخاصاً عاديّين لتركْتُهم وشأنَهم دونَ أنْ أقولَ أيَّ كلمةٍ، لكن هؤلاء الأشخاص واعدون حقّاً. إنّ أخلاقَ البشرِ تتدهورُ بسرعةٍ يوماً بعدَ يوم، والناسُ العاديّون جميعاً ينجرِفون مع التيّارِ السائدِ في المجتمع. وكلّما ابتعدَ الإنسانُ عن الطاو، أصبحَ من الصّعبِ عليه العودةُ من خلالِ التعهّد. إنّ جوهرَ التعهّدِ يكمُنُ قبلَ كلِّ شيء في تعهّدِ القلبِ. وبيئةُ العملِ المعقّدة، على وجهِ الخصوص، تُشكّلُ فرصةً ثمينةً لرفعِ مستوى الشينشينغ لديك. عندَ التقاعد، ألنْ تكونَ قد فقدْتَ البيئةَ المثاليّةَ للتعهّد؟ إذا لم تواجِه صعوباتٍ أو تحدّيات، فكيف ستتعهّدُ إذن؟ وكيف سترتقي؟ إنّ حياةَ الإنسانِ محدودة، وحتّى لو خطّطتَ حياتَك بعناية، فهل يُمكنُك أنْ تضمنَ أنَّ الوقتَ المُتبقّي لك سيكونُ كافياً للتعهّد؟ إنّ التعهّدَ ليس لَعِبَ أطفال؛ إنّه أمرٌ أجلُّ وأكثرُ جديّةً من أيِّ شأنٍ من شؤونِ الناسِ العاديّين، ولا ينبغي التعاملُ معه وكأنّه أمرٌ مُسلَّمٌ به. إذا فوّتَّ هذه الفرصة، فمَن يضمَنُ لك متى ستحصلُ على جسدٍ بشريٍّ مرّةً أخرى في دورةِ التقمص؟ إنّها فرصةٌ واحدةٌ لا تتكرّر. وعندما تزولُ الأوهامُ التي تمسّكْتَ بها، ستُدرِكُ تماماً ما الذي فقدْتَه.

 

 

 

قائمة المصطلحات

 

أرهات Arhat  

كائن مستنير على مستوى الأرهات، نال ثمرة الأرهات، مرتبة استنارة، مرتبة ثمرة في التعهّد البوذيّ

أسورا Asura  

روح شرّيرة، شيطان

بودهيدارما Bodhidharma

هو مستنير بوذيّ عاش بين القرن الخامس والسادس الميلاديّ، ويُعتبر مؤسّس مدرسة الزِن. قَدِم من الهند إلى الصين خلال فترة السلالات الحاكمة الجنوبيّة والشماليّة (حوالي٤٢٠ - ٥۸٩ م).

بوديساتفا  Bodhisattva

كائن مستنير بدرجة أعلى من الأرهات وأدنى من التاثاغاتا، مرتبة استنارة، مرتبة ثمرة في المدرسة البوذيّة 

تاثاغاتاTathagata  

كائن مستنير بدرجة تاثاغاتا، مرتبة استنارة، مرتبة ثمرة في المدرسة البوذيّة، درجة أعلى من البوديساتفا

تشي  Qi

يُعدّ في الطبّ الصينيّ التقليديّ طاقة الحياة الأساسيّة الموجودة في الجسد والطبيعة والكون، ويُنظر إليه بوصفه عنصراً مرتبطاً بالصّحة والتوازن، ويُعتقد أنّه يدعم الصحّة الجسديّة والروحيّة. يُترجم غالباً إلى "الطاقة الحيويّة" أو "قوّة الحياة"، لكن هذه الترجمات تبقى تقريبيّة. في مُمارسات الغونغ (التشيغونغ)، يُستعمَل التشي ويُنمَّى عبر تمارين التنفّس والحركات والتأمّل لتقوية الجسد والرّوح وتحقيق التوازن. وبالمُقارنة مع الغونغ، يُعدّ التشي شكلاً أدنى من الطاقة. 

تشيغونغ Qigong 

تمارين "التشي"، ممارسة "التشي" هو اسم جماعي يُطلقُ على طرق ممارسة تقليديّة صينيّة تتعهّد الطاقة الحيويّة - التشي. يُستخدم هذا الاسم في الصين أيضاً للدلالة على "طريقة تعهّد".

تشين شيهوانغ Qin Shihuang

أوّل إمبراطور لأسرة تشين (٢٢١–٢٠١ ق.م). وحَّد الصين بين عامَي ٢٢١ و٢١٠ قبل الميلاد.

التقمّصReincarnation 

انتقالُ الرّوح من جسدٍ إلى آخر في الديانات البوذيّة والبراهمانيّة والهندوسيّة ودياناتٍ أخرى. ويُترجم هذا المصطلح عادةً إلى "التقمّص" أو "التناسخ" أو "التجسّد"، غير أنّ هذه الترجمات لا تُعبّر بدقّةٍ تامّة عن المعنى الأصليّ للمصطلح.

جزيرة لانتاو Lantau Island

جزيرة في هونغ كونغ، و"دايوشان" هو اسمها باللغة الصينيّة، وهي أكبر جزيرة في الإقليم وتشتهر بطبيعتها الجبليّة ومعابدها الهادئة ومواقعها الروحيّة.

جين-شان-رِن Zhen Shan Ren

الطبع الأعلى للكون، طبيعة الكون، صفات الكون، خصائص الكون: جين: الحق، الحقيقة، الصدق. شان: الرّحمة، الطيبة، اللطف، الإحسان. رِن: الصبر، القدرة على التحمّل، التسامح.

جيي Jie

في الكوزمولوجيا البوذيّة، تشير إلى حقبة كونيّة طويلة جداً تمتد لمئات الملايين من السنين، تبدأ بخلق كونٍ وتنتهي بفنائه وخلق كونٍ آخر. كما قد تُستخدم الكلمة للإشارة إلى الصعوبات أو الكوارث التي تحلُّ بعد فترة زمنيّة معيّنة بأفرادٍ محدّدين، أو بمجتمع بأكمله، أو بمنطقةٍ واسعة.

جييِن Jieyin    

هي وضعية اليدين في التأمّل، تُشبك فيها الأصابع أو تُرتّب بطريقة معيّنة للمساعدة في تركيز الطاقة وتهدئة الذهن أثناء الممارسة الروحيّة.

دافاDafa 

الفا الكبرى، قانون الكون الأعظم، النظام الأكبر، الشرع الأكبر

السلال الثلاث Tripitaka - Three Baskets 

هي التقسيم التقليديّ للنّصوص البوذيّة:

ويُنظر إلى السوطرا على أنها الأساس، بينما تُعدّ الفينايا والأبهيدارما وسائل داعمة للفهم والتنظيم، لكنها ليست على نفس مستوى السوطرا من حيث الجوهر.

شي Chi

وحدة قياس صينيّة؛ "شي" واحد يساوي نحو ٣٣٫٣ سم.

شينشينغXinxing 

طبيعة القلب عند الإنسان، طبيعته الأخلاقيّة والنفسيّة. شين Xin: القلب، الأخلاق. شينغXing : الطبيعة، الطبيعة الأساسيّة

طاو Tao/Dao 

هو المبدأ الأساسيّ في الفلسفة الطاويّة، ويعني "الطريق" أو "النهج الطبيعي للكون"، الذي تسير وفقه الطبيعة وكل مظاهر الوجود بانسجام وتوازن.

ويُستخدم أيضاً للدلالة على الإنسان الذي بلغ حالة من التوافق الكامل مع هذا المبدأ، أي كائن مستنير نال الطاو أو حقّق الطاو. 

طريق التوحيد Yiguan Tao 

هي حركة دينيّة صينيّة تأسست في أواخر القرن التاسع عشر في مقاطعة شاندونغ في الصين خلال أواخرِ عهدِ أسرةِ تشينغ. تُعدّ واحدةً من الحركات الخلاصيّة الصينيّةsalvationist sects ، تسعى إلى توحيد العناصر الروحيّة ضمن منظومة متكاملة تعتمد أساساً على الطاويّة والبوذيّة والكونفوشيوسيّة، مع بعض التأثيرات الفكريّة من المسيحيّة والإسلام. 

فاFa 

القانون الكوني، النظام الذي يسيّر الكون، قانون الكون، شرع الكون، نظام الكون

ڤاجرا Vajra 

تعني الألماس، وهي رمز للقوّة غير القابلة للتدمير.

فاشن Fashen

جسم الفا، مكوّن من فا ومن غونغ

فالون Falun

عجلة الفا، عجلة القانون، عجلة الشرع، وهو رمز الفالون دافا

فا بوذا Buddha Fa

تُسمّى أيضاً فوفا، قانون بوذا، شرع بوذا، الحقيقة العليا للكون

كارما Karma

الخطايا، الديون، الأثقال، الأوزار، السيئات، العذاب الذي يتحمله الإنسان نتيجة لما ارتكبه من أخطاء في حيواته السابقة؛ المادّة السوداء عند الإنسان.

ممرّ هانغو Hangu Pass

مَعْلَم تاريخيّ مشهور في الصين القديمة، كان يقع عند الحدود الشرقيّة لمملكة تشين. يُعدّ من أهم الممرّات الاستراتيجيّة في التاريخ الصينيّ، وارتبط اسمه بخروج لاو تسي، حين سلّم كتابه "الطاو ده جينغ" لحارس الممرّ قبل أن يواصل رحلته نحو الغرب.

نيرفانا Nirvana

الخروج من دورة التقمّص عبر الاستنارة، وهي مفارقة هذا العالم دون حمل الجسد الحسيّ. تُعدّ حالةَ سكينةٍ وطمأنينةٍ يبلغ فيها الكائن تخلّصه من العذاب ومن مسار التجسّد ضمن الدروب الستة. وعندما يموت الراهب البوذي يُقال إنه دخل النيرفانا، أي إنّه يتخلّى عن جسده اللحميّ وتصعد الرّوح الأصليّة حاملة معها الغونغ.

هان وودي Han Wudi

إمبراطور مشهور في أسرة هان (٢٠٦ ق.م – ٢٢٠ م). عُرف بقوّته وتوسيعِ نفوذ الإمبراطوريّة وتعزيزِ سلطة الدولة. حكمَ الصين من ١٤١ إلى ٨٧ ق.م. 

يوي فَي Yue Fei

جنرال صيني مشهور عُرف بولائه الشديد لأسرة سونغ الجنوبيّة (١١٢٧–١٢٧٩م)، ويُعدّ أحد أبرز الرّموز التاريخيّة في الإخلاص والبطولة في التاريخ الصينيّ.

يين ويانغ Yin and Yang

حسب المدرسة الطاويّة، كل ما يوجد في الكون هو نتيجة لتفاعل هاتين القوتين، هذين القطبين. ديناميكيّة هذه الثنائيّة هي التي تخلِق الحركة وتولّد كلّ الظواهر وكلّ الكائنات. يُعَدّ الـ"يين" أنثويّاً، والـ"يانغ" ذكوريّاً.